الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 449 ) مسألة : قال : ( فمن أطبق بها الدم فكانت ممن تميز ، فتعلم إقباله بأنه أسود ثخين منتن ، وإدباره رقيق أحمر ، تركت الصلاة في إقباله ، فإذا أدبر ، اغتسلت ، وتوضأت لكل صلاة وصلت ) قوله : " طبق بها الدم " . يعني امتد وتجاوز أكثر الحيض ، فهذه مستحاضة ، قد اختلط حيضها باستحاضتها ، فتحتاج إلى معرفة الحيض من الاستحاضة لترتب على كل واحد منهما حكمه ، ولا تخلو من أربعة أحوال : مميزة لا عادة لها ، ومعتادة لا تمييز لها ، ومن لها عادة وتمييز ، ومن لا عادة لها ولا تمييز .

                                                                                                                                            أما المميزة : فهي التي ذكرها الخرقي في هذه المسألة ، وهي التي لدمها إقبال وإدبار ، بعضه أسود ثخين منتن ، وبعضه أحمر مشرق ، أو أصفر ، أو لا رائحة له ، ويكون الدم الأسود أو الثخين لا يزيد على أكثر الحيض ، ولا ينقص عن أقله ، فحكم هذه أن حيضها زمان الدم الأسود أو الثخين أو المنتن ، فإن انقطع فهي مستحاضة ، تغتسل للحيض ، وتتوضأ بعد ذلك لكل صلاة ، وتصلي ، وذكر أحمد المستحاضة فقال : لها سنن ، وذكر المعتادة ، ثم قال : وسنة أخرى ، إذا جاءت فزعمت أنها تستحاض فلا تطهر ، قيل لها : أنت الآن ليس لك أيام معلومة فتجلسينها ، ولكن انظري إلى إقبال الدم وإدباره ، فإذا أقبلت الحيضة - وإقبالها أن ترى دما أسود يعرف - فإذا تغير دمها وكان إلى الصفرة والرقة ، فذلك دم [ ص: 191 ] استحاضة ، فاغتسلي ، وصلي .

                                                                                                                                            وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة : لا اعتبار بالتمييز ، إنما الاعتبار بالعادة خاصة ; لما روت أم سلمة ، { أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لتنظر عدة الأيام والليالي التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها ، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر ، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل ، ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل } . رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . وهو أحد الأحاديث الثلاثة التي قال الإمام أحمد : إن الحيض يدور عليها .

                                                                                                                                            ولنا ما روت عائشة ، قالت : { جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني أستحاض ، فلا أطهر ، أفأدع الصلاة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما ذلك عرق ، وليس بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، وصلي } . متفق عليه . وللنسائي وأبي داود : { إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف ، فأمسكي عن الصلاة ، فإذا كان الآخر فتوضئي فإنما هو عرق } . وقال ابن عباس : أما ما رأت الدم البحراني فإنها تدع الصلاة . وقال : إنها والله لن ترى الدم الذي هو الدم بعد أيام محيضها إلا كغسالة ماء اللحم . وحديث أم سلمة إنما يدل على اعتبار العادة ، ولا نزاع فيه . وحديث فاطمة هو أحد الثلاثة التي يدور عليها الحيض .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية