الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                2612 ص: وقد قال قوم : إن رسول الله - عليه السلام - لم يسجد يوم ذي اليدين .

                                                حدثنا بذلك ربيع المؤذن ، قال : ثنا خالد بن عبد الرحمن ، قال : ثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، قال : "سألت أهل العلم بالمدينة ، فما أخبرني أحد منهم أنه صلاها -يعني سجدتي السهو- يوم ذي اليدين ، فمعنى هذا عندنا -والله أعلم- أنه إنما يجب سجود السهو في الصلاة إذا فعل بها ما لا ينبغي أن يفعل فيها ، مثل القيام عن القعود أو القعود في غير مواضع القعود ، أو ما أشبه ذلك مما لو فعل على العمد كان فاعله مسيئا ، فأما ما فعل فيها مما ليس بمكروه فيها فليس فيه سجود سهو ، وكان حكم الصلاة يوم ذي اليدين لا بأس بالكلام فيها والتصرف ، فلما فعل ذلك على السهو فيها وكان فاعله على العمد غير مسيء ، كان فاعله على السهو غير واجب عليه سجود السهو ، فهذا مذهب الذين ذهبوا إلى أن رسول الله - عليه السلام - لم يسجد يومئذ ، وهذا حجة لأهل المقالة التي ثبتناها في هذا الباب ، وكان مذهب الذين ذكروا أنه سجد يومئذ : أن الكلام في الصلاة والتصرف وإن كانا مباحين في الصلاة يومئذ ، فلم يكن من المباح يومئذ أن يسلم في الصلاة قبل أوان التسليم ، فلما سلم النبي - عليه السلام - فيها سلاما أراد به الخروج منها ، على أنه قد كان أتمها ، وكان ذلك مما لو فعله فاعل على العمد كان مسيئا ، وجب فيه سجود السهو ، فهذا مذهب أهل هذه المقالة في هذا الحديث .

                                                [ ص: 83 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 83 ] ش: أراد بهذا بيان الاختلاف في سجود النبي - عليه السلام - للسهو يوم ذي اليدين ، وبيان حجة كل واحد من الفريقين ، وأراد بالقوم هؤلاء : محمد بن مسلم الزهري ، وطائفة من علماء المدينة ; فإنهم قالوا : لم يسجد النبي - عليه السلام - يوم ذي اليدين ، وأسند ذلك عن الزهري بقوله : "حدثنا بذلك " أي : بما قال هؤلاء القوم ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي ، عن خالد بن عبد الرحمن الخراساني ، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذئب المدني ، عن محمد بن مسلم الزهري . . . إلى آخره .

                                                ثم بين معنى ما قال هؤلاء بقوله : "فمعنى هذا عندنا والله أعلم . . . " إلى آخره ، وهو ظاهر .

                                                قوله : "ثبتناها " من التثبيت .

                                                قوله : "وكان مذهب الذين ذكروا أنه سجد يومئذ . . . إلى آخره " وأراد بهم جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم ، وهو أيضا ظاهر .

                                                قوله : "والتصرف " بالنصب عطف على قوله : "الكلام " في قوله : "أن الكلام في الصلاة " .

                                                قوله :"وإن كانا مباحين " واصل بما قبله ، وقال مسلم في "التمييز " قول ابن شهاب : إنه لم يسجد يوم ذي اليدين ، خطأ وغلط ، وقد ثبت أنه سجد سجدتي السهو من روايات الثقات .

                                                وقال أبو عمر : كان الزهري يقول : إذا عرف الرجل ما نسي من صلاته فأتمها ، ليس عليه سجدتا السهو انتهى .

                                                قلت : كيف يغلط مسلم الزهري وقد أخرج ابن عدي في "الكامل " : أنا أبو يعلى ، ثنا ابن معين ، ثنا سعيد بن أبي مريم ، ثنا ليث وابن وهب ، عن عبد الله العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر : "أن رسول الله - عليه السلام - لم يسجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو " ؟




                                                الخدمات العلمية