الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 451 ] قال ( ومن اشترى ثوبا على أن يقطعه البائع ويخيطه قميصا أو قباء فالبيع فاسد ) ; لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين ; ولأنه يصير صفقة في صفقة على ما مر ( ومن اشترى نعلا على أن يحذوها البائع قال أو يشركها فالبيع فاسد ) قال رضي الله عنه : ما ذكره جواب القياس ، ووجهه ما بينا ، وفي الاستحسان : يجوز للتعامل فيه فصار كصبغ الثوب [ ص: 452 ] وللتعامل جوزنا الاستصناع .

التالي السابق


( قوله ومن اشترى ثوبا على أن يقطعه البائع ويخيطه قميصا أو قباء فالبيع فاسد ) بإجماع الأئمة الأربعة ( لأنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين ; ولأنه يصير صفقتين في صفقة على ما مر ) من امتناع الصفقتين في صفقة إلا أن هنا على تقدير واحد وهو كون الخياطة يقابلها شيء من الثمن فهو شرط إجازة في بيع ، وما تقدم كان كذلك على ذلك التقدير ، وعلى تقدير عدم المقابلة يكون إعارة في بيع ( قوله ومن اشترى نعلا على أن يحذوها البائع ) المراد اشترى أديما على أن يجعله البائع نعلا له فأطلق عليه اسم النعل باعتبار أوله .

ويمكن أن يراد حقيقته أي نعل رجل واحدة على أن يحذوها : أي أن يجعل معها مثالا آخر ليتم نعلا للرجلين ، ومنه حذوت النعل بالنعل : أي قدرته بمثال قطعته ، ويدل عليه قوله أو يشركه فجعله مقابلا لقوله نعلا ، ولا معنى لأن يشتري أديما على أن يجعل له شراكا فلا بد أن يراد حقيقة النعل ( فالبيع فاسد . قال )

المصنف رحمه الله ( ما ذكره ) يعني القدوري ( جواب القياس ، ووجهه ما بيناه ) من أنه شرط لا يقتضيه العقد وفيه نفع لأحد المتعاقدين ( وفي الاستحسان : يجوز ) البيع ويلزم الشرط ( للتعامل ) كذلك ، ومثله في ديارنا شراء القبقاب على هذا الوجه : أي على أن يسمر له سيرا ( وصار كصبغ الثوب ) مقتضى القياس [ ص: 452 ] منعه ; لأنه إجارة عقدت على استهلاك عين مع المنفعة وهو عين الصبغ ولكن جوز للتعامل . ومثله إجارة الظئر مع لزوم استهلاك اللبن جاز للتعامل ، لكن في الفوائد المستحق بالإجارة فعل الصبغ والحضانة في استئجار الصباغ والظئر واللبن آلة فعلهما ( وللتعامل جوزنا الاستصناع ) مع أنه بيع المعدوم ، ومن أنواعه شراء الصوف المنسوج على أن يجعله البائع قلنسوة بشرط أن يبطن لها البائع بطانة من عنده ، وهذا نوع آخر من الشرط وهو البيع بشرط أن به كذا ، وما تقدم كان المشروط معدوما فيشترط أن يفعل من هذا .

ذكر هشام عن محمد : اشترى شاة على أنها حامل يفسد البيع . وعن الشافعي قولان . وأصحهما يصح وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة . وقال بعض أصحابه : القولان في غير الآدمي ، أما في الجواري يصح قولا واحدا وهو قولنا . ذكر هشام عن محمد : اشترى جارية على أنها حامل يجوز البيع إلا أن يظهر أن المشتري يريدها للظئورة فيفسد . ولا يخفى ما فيه بعد فرض أن المشتري علم ذلك بل شرطه ، وكونه اشترى خلاف ما يحصل غرضه لا يوجب فسادا بعد الرضا به . وعن الهندواني شرط الحبل من البائع لا يفسد ; لأن البائع يذكره على بيان العيب عادة .

ولو وجد من المشتري يفسد ; لأنه ذكره على وجه اشتراط الزيادة . ولو اشترى سمسما أو زيتونا أو حنطة على أن فيها كذا هنا أو يخرج كذا دقيقا فالبيع فاسد وبه قال الشافعي . ولو شرط في الشاة أنها حلوب أو لبون لم يذكره محمد . واختلف فيه ; فالكرخي يفسد ، والطحاوي لا يفسد وهو قول الشافعي ; لأنه مرغوب فيه .

والوجه أن لا يجوز لوقوع المنازعة في أن معنى الحلوب ما يكون لبنها هذا المقدار أو أكثر من هذا إلى غاية كذا ، ولو كان منفعة الشرط لغير العاقدين كالبيع على أن يقرض فلانا كذا ففيه اختلاف المشايخ . وقال محمد كل شيء يشترط على البائع يفسد به البيع إذا شرط على أجنبي فهو باطل ، وكل شيء يشترط عليه لا يفسد به إذا شرط على أجنبي فهو جائز ، ويخير المشتري كالبيع بمائة على أن يحط فلان الأجنبي عشرة جاز البيع ، ويخير المشتري إن شاء أخذه بمائة وإن شاء ترك ، وعن أبي يوسف : لو اشترى على أن يهب البائع للمشتري أو لفلان الأجنبي دينارا من الثمن فالبيع فاسد . وفي المنتقى خلافه فيما إذا كانت الهبة من المشتري .

قال : لو اشترى على أن يهب له دينارا من الثمن جاز وهو حسن ، لأن حاصل هذا حطيطة مشترطة ومآلها إلى الشراء بالثمن الأنقص . ولو باع رقبة الطريق على أن له حق المرور أو السفل على أن له قرار العلو جاز . ولو باع عبدين على أنه شريك المشتري في نصف هذا فسد . ولو قال نصفيهما جاز كما لو باع هذا الثوب وقال أنا شريكك في نصفه ، ومقتضى النظر أن يجوز الأول أيضا ; لأنه في الحاصل بيع أحدهما بعينه ونصف الآخر شائعا صفقة ولا مانع من ذلك .

ولو باع هذا بألف إلا نصفه بستمائة فقد باع نصفه بأربعمائة




الخدمات العلمية