الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل

قال : وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : منع الخوف : أن لا يتعدى إلى اليأس ، وحبس الرجاء : أن يخرج إلى الأمن ، وضبط السرور : أن يضاهئ الجرأة .

يريد : أنه لا يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط ، واليأس من رحمة الله . فإن هذا الخوف مذموم .

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - يقول : حد الخوف ما حجزك عن معاصي الله . فما زاد على ذلك : فهو غير محتاج إليه .

وهذا الخوف الموقع في الإياس : إساءة أدب على رحمة الله تعالى ، التي سبقت غضبه ، وجهل بها .

وأما حبس الرجاء : أن يخرج إلى الأمن

فهو أن لا يبلغ به الرجاء إلى حد يأمن معه العقوبة . فإنه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون . وهذا إغراق في الطرف الآخر .

بل حد الرجاء : ما طيب لك العبادة ، وحملك على السير . فهو بمنزلة الرياح التي تسير السفينة . فإذا انقطعت وقفت السفينة . وإذا زادت ألقتها إلى المهالك . وإذا كانت بقدر : أوصلتها إلى البغية .

وأما ضبط السرور : أن يخرج إلى مشابهة الجرأة .

فلا يقدر عليه إلا الأقوياء أرباب العزائم . الذين لا تستفزهم السراء ، فتغلب شكرهم . ولا تضعفهم الضراء . فتغلب صبرهم ، كما قيل :


لا تغلب السراء منهم شكرهم كلا . ولا الضراء صبر الصابر

والنفس قرينة الشيطان ومصاحبته ، وتشبهه في صفاته . ومواهب الرب تبارك وتعالى تنزل [ ص: 372 ] على القلب والروح . فالنفس تسترق السمع . فإذا نزلت على القلب تلك المواهب : وثبت لتأخذ قسطها منها ، وتصيره من عدتها وحواصلها . فالمسترسل معها ، الجاهل بها فيدعها تستوفي ذلك . فبينا هو في موهبة القلب والروح وعدة وقوة له ، إذ صار ذلك كله من حاصل النفس وآلتها ، وعددها . فصالت به وطغت . لأنها رأت غناها به . والإنسان يطغى أن رآه استغنى بالمال . فكيف بما هو أعظم خطرا ، وأجل قدرا من المال ، بما لا نسبة بينهما : من علم ، أو حال ، أو معرفة ، أو كشف ؟ فإذا صار ذلك من حاصلها : انحرف العبد به ولا بد إلى طرف مذموم من جرأة ، أو شطح ، أو إدلال . ونحو ذلك .

فوالله كم هاهنا من قتيل ، وسليب ، وجريح يقول : من أين أتيت ؟ ومن أين دهيت ؟ ومن أين أصبت ؟ وأقل ما يعاقب به من الحرمان بذلك : أن يغلق عنه باب المزيد . ولهذا كان العارفون وأرباب البصائر : إذا نالوا شيئا من ذلك انحرفوا إلى طرف الذل والانكسار ، ومطالعة عيوب النفس . واستدعوا حارس الخوف ، وحافظوا على الرباط بملازمة الثغر بين القلب وبين النفس ، ونظروا إلى أقرب الخلق من الله ، وأكرمهم عليه ، وأدناهم منه وسيلة ، وأعظمهم عنده جاها ، وقد دخل مكة يوم الفتح ، وذقنه تمس قربوس سرجه : انخفاضا وانكسارا ، وتواضعا لربه تعالى في مثل تلك الحال ، التي عادة النفوس البشرية فيها : أن يملكها سرورها ، وفرحها بالنصر ، والظفر ، والتأييد ، ويرفعها إلى عنان السماء .

فالرجل : من صان فتحه ونصيبه من الله . وواراه عن استراق نفسه . وبخل عليها به ، والعاجز : من جاد لها به . فيا له من جود ما أقبحه . وسماحة ما أسفه صاحبها . والله المستعان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث