الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما ( 5 ) ) [ ص: 207 ]

يقول الله - تعالى ذكره - : انسبوا أدعياءكم الذين ألحقتم أنسابهم بكم لآبائهم ، يقول لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - : ألحق نسب زيد بأبيه حارثة ، ولا تدعه زيد ابن محمد . وقوله : ( هو أقسط عند الله ) يقول : دعاؤكم إياهم لآبائهم هو أعدل عند الله ، وأصدق وأصوب من دعائكم إياهم لغير آبائهم ونسبتكموهم إلى من تبناهم وادعاهم وليسوا له بنين .

كما حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) : أي أعدل عند الله ، وقوله : ( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) يقول - تعالى ذكره - : فإن أنتم أيها الناس لم تعلموا آباء أدعيائكم من هم فتنسبوهم إليهم ، ولم تعرفوهم ، فتلحقوهم بهم ، ( فإخوانكم في الدين ) يقول : فهم إخوانكم في الدين ، إن كانوا من أهل ملتكم ، ومواليكم إن كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ) : أي أعدل عند الله ( فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) فإن لم تعلموا من أبوه فإنما هو أخوك ومولاك .

حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، قال : قال أبو بكرة : قال الله : ( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ) فأنا ممن لا يعرف أبوه ، وأنا من إخوانكم في الدين ، قال : قال أبي : والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارا لانتمى إليه .

وقوله : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) يقول : ولا حرج عليكم ولا وزر في خطأ يكون منكم في نسبة بعض من تنسبونه إلى أبيه ، وأنتم ترونه ابن من ينسبونه إليه ، وهو ابن لغيره ( ولكن ما تعمدت قلوبكم ) يقول : ولكن الإثم والحرج عليكم في نسبتكموه إلى غير أبيه ، وأنتم تعلمونه ابن غير من تنسبونه إليه .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . [ ص: 208 ]

ذكر من قال ذلك :

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) يقول : إذا دعوت الرجل لغير أبيه ، وأنت ترى أنه كذلك ( ولكن ما تعمدت قلوبكم ) يقول الله : لا تدعه لغير أبيه متعمدا . أما الخطأ فلا يؤاخذكم الله به ( ولكن يؤاخذ كم بما تعمدت قلوبكم ) .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( تعمدت قلوبكم ) قال : فالعمد ما أتى بعد البيان والنهي في هذا وغيره ، و " ما " التي في قوله : ( ولكن ما تعمدت قلوبكم ) خفض ردا على " ما " التي في قوله : ( فيما أخطأتم به ) وذلك أن معنى الكلام : ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ، ولكن فيما تعمدت قلوبكم .

وقوله : ( وكان الله غفورا رحيما ) يقول الله - تعالى ذكره - : وكان الله ذا ستر على ذنب من ظاهر زوجته فقال الباطل والزور من القول ، وذم من ادعى ولد غيره ابنا له ، إذا تابا وراجعا أمر الله ، وانتهيا عن قيل الباطل بعد أن نهاهما ربهما عنه ، ذا رحمة بهما أن يعاقبهما على ذلك بعد توبتهما من خطيئتهما .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث