الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

أبواب صلاة المسافر

باب اختيار القصر وجواز الإتمام

1155 - ( عن { ابن عمر قال : صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يزيد في السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك } . متفق عليه ) .

1156 - ( وعن يعلى بن أمية قال : { قلت لعمر بن الخطاب { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فقد أمن الناس ، قال : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم ، فاقبلوا صدقته } رواه الجماعة إلا البخاري ) .

التالي السابق


قوله : ( وكان لا يزيد في السفر على ركعتين ) فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لازم القصر في السفر ولم يصل فيه تماما . ولفظ الحديث في صحيح مسلم : { صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل ، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل ، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل ، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله عز وجل } وظاهر هذه الرواية ، وكذا [ ص: 239 ] الرواية التي ذكرها المصنف أن عثمان لم يصل في السفر تماما

وفي رواية لمسلم عن ابن عمر أنه قال : " ومع عثمان صدرا من خلافته ثم أتم " وفي رواية " ثمان سنين أو ست سنين " قال النووي : وهذا هو المشهور أن عثمان أتم بعد ست سنين من خلافته . وتأول العلماء هذه الرواية أن عثمان لم يزد على ركعتين حتى قبضه الله في غير منى ، والرواية المشهورة بإتمام عثمان بعد صدر من خلافته محمولة على الإتمام بمنى خاصة

وقد صرح في رواية بأن إتمام عثمان كان بمنى . وفي البخاري ومسلم { أن عبد الرحمن بن يزيد قال : صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات ، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ، ثم قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، وصليت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين ، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين ، فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان ، } قوله : ( عجبت مما عجبت منه ) وفي رواية لمسلم " عجيب ما عجبت منه " والرواية الأولى هي المشهورة المعروفة كما قال النووي

قوله : ( صدقة تصدق الله بها عليكم ) فيه جواز قول القائل : تصدق الله علينا ، واللهم تصدق علينا ، وقد كرهه بعض السلف ، قال النووي : وهو غلط ظاهر . واعلم أنه قد اختلف أهل العلم هل القصر واجب أم رخصة والتمام أفضل ؟ ، فذهب إلى الأول الحنفية والهادوية ، وروي عن علي وعمر ونسبه النووي إلى كثير من أهل العلم ، قال الخطابي في المعالم : كان مذهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر ، هو قول علي وعمر وابن عمر وابن عباس ، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن

وقال حماد بن أبي سليمان : يعيد من يصلي في السفر أربعا . وقال مالك : يعيد ما دام في الوقت ا هـ . وإلى الثاني الشافعي ومالك وأحمد . قال النووي : وأكثر العلماء ، وروي عن عائشة وعثمان وابن عباس : قال ابن المنذر : وقد أجمعوا على أنه لا يقصر في الصبح ولا في المغرب . قال النووي : ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح .

وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر ، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة . وعن بعضهم كونه سفر طاعة . احتج القائلون بوجوب القصر بحجج : الأولى ملازمته صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره كما في حديث ابن عمر المذكور في الباب ، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أتم الرباعية . في السفر ألبتة كما قال ابن القيم

وأما حديث عائشة الآتي المشتمل على أنه صلى الله عليه وسلم أتم الصلاة في السفر فسيأتي أنه لم يصح . ويجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدل على الوجوب كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم .

الحجة الثانية حديث عائشة المتفق عليه بألفاظ منها : { فرضت الصلاة ركعتين ، فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر } وهو [ ص: 240 ] دليل ناهض على الوجوب ، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها ، كما أنه لا يجوز الزيادة على أربع في الحضر . وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة منها : أن الحديث من قول عائشة غير مرفوع ، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة ، وأنه لو كان ثابتا لنقل تواترا . وقد قدمنا الجواب عن هذه الأجوبة في أول كتاب الصلاة في الموضع الذي ذكر فيه المصنف حديث عائشة .

ومنها أن المراد بقولها : " فرضت " أي قدرت ، وهو خلاف الظاهر . ومنها ما قال النووي أن المراد بقولها : " فرضت " يعني لمن أراد الاقتصار عليهما ، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم ، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار ، وهو تأويل متعسف لا يعول على مثله . ومنها المعارضة لحديث عائشة بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر ، وسيأتي ويأتي الجواب عنها .

الحجة الثالثة ما في صحيح مسلم عن ابن عباس أنه قال : " إن الله عز وجل فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين ، وعلى المقيم أربعا ، وفي الخوف ركعة " فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن الله عز وجل أنه فرض صلاة السفر ركعتين ، وهو أتقى لله وأخشى من أن يحكي أن الله فرض ذلك بلا برهان .

والحجة الرابعة حديث عمر عند النسائي وغيره { صلاة الأضحى ركعتان ، وصلاة الفجر ركعتان ، وصلاة الفطر ركعتان ، وصلاة المسافر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم } وسيأتي ، وهو يدل على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر وأنها لم تكن أربعا ثم قصرت . وقوله : " على لسان محمد " تصريح بثبوت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم .

الحجة الخامسة حديث ابن عمر الآتي بلفظ : { أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر . } واحتج القائلون بأن القصر رخصة ، والتمام أفضل بحجج : الأولى منها قول الله تعالى { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ونفي الجناح لا يدل على العزيمة بل على الرخصة ، وعلى أن الأصل التمام ، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه . وأجيب بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف لا في قصر العدد لما علم من تقدم شرعية قصر العدد . قال في الهدي - وما أحسن ما قال - : وقد يقال : إن الآية اقتضت قصرا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين ، وقيد ذلك بأمرين : الضرب في الأرض ، والخوف ، فإذا وجد الأمران أبيح القصران ، فيصلون صلاة خوف مقصورا عددها وأركانها وإن انتفى الأمران وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة ، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده ، فإن وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد ، وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية ، وإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفيت الأركان وصليت صلاة أمن ، وهذا أيضا نوع قصر وليس بالقصر المطلق ، وقد تسمى [ ص: 241 ] هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد ، وقد تسمى تامة باعتبار تمام أركانها وإن لم تدخل في الآية ا هـ .

الحجة الثانية قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الباب " صدقة تصدق الله بها عليكم " فإن الظاهر من قوله صدقة أن القصر رخصة فقط . وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا محيص عنها وهو المطلوب .

الحجة الثالثة ما في صحيح مسلم وغيره { أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمنهم القاصر ومنهم المتم ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض } ، كذا قال النووي في شرح مسلم ، ولم نجد في صحيح مسلم قوله : " فمنهم القاصر ومنهم المتم " وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار ، وإذا ثبت ذلك فليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وقررهم عليه ، وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك ، وقد تقرر أن إجماع الصحابة في عصره صلى الله عليه وسلم ليس بحجة ، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته .

وقد أنكر جماعة منهم علي عثمان لما أتم بمنى ، وتأولوا له تأويلات : قال ابن القيم أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى ، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه ، أو كان له به زوجة أتم . وقد روى أحمد { عن عثمان أنه قال : أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تأهل رجل ببلد فليصل به صلاة مقيم } ورواه أيضا عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده أيضا وقد أعله البيهقي بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم ، وسيأتي الكلام عليه .

الحجة الرابعة حديث عائشة الآتي وسيأتي الجواب عنه ، وهذا النزاع في وجوب القصر وعدمه . وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب .

وأما دعوى أن التمام أفضل فمدفوعة بملازمته صلى الله عليه وسلم للقصر في جميع أسفاره وعدم صدور التمام عنه كما تقدم ، ويبعد أن يلازم صلى الله عليه وسلم طول عمره المفضول ويدع الأفضل .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث