الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 221 ] 117

ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة

في هذه السنة غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى ، وغزا سليمان بن هشام الصائفة اليمنى من نحو الجزيرة ، وفرق سراياه في أرض الروم . وفيها بعث مروان بن محمد ، وهو على إرمينية ، بعثين ، وافتتح أحدهما حصونا ثلاثة من اللان ، ونزل الآخر على تومانشاه ، فنزل أهلها على الصلح .

ذكر عزل عاصم عن خراسان وولاية أسد

وفي هذه السنة عزل هشام بن عبد الملك عاصم بن عبد الله عن خراسان ، وولاها خالد بن عبد الله القسري ، فاستخلف خالد عليها أخاه أسد بن عبد الله .

وكان سبب ذلك أن عاصما كتب إلى هشام : أما بعد ، فإن الرائد لا يكذب أهله ، وإن خراسان لا تصح إلا [ أن ] تضم إلى [ صاحب ] العراق ، فتكون موادها ومعونتها من قريب لتباعد أمير المؤمنين [ عنها ] وتباطؤ غياثه . فضم هشام خراسان إلى خالد بن عبد الله القسري ، وكتب إليه : ابعث أخاك يصلح ما أفسد ، فإن كان رجية كانت به . فسير خالد إليها أخاه أسدا .

فلما بلغ عاصما إقبال أسد ، وأنه قد سير على مقدمته محمد بن مالك الهمداني صالح الحارث بن سريج ، وكتبا بينهما كتابا على أن ينزل الحارث أي كور خراسان شاء ، وأن يكتبا جميعا إلى هشام يسألانه بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فإن أبى اجتمعا عليه ، فختم الكتاب بعض الرؤساء ، وأبى يحيى بن حضين بن [ ص: 222 ] المنذر أن يختم وقال : هذا خلع لأمير المؤمنين ، فانفسخ ذلك .

وكان عاصم بقرية بأعلى مرو ، وأتاه الحارث بن سريج ، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا ، فانهزم الحارث وأسر من أصحابه أسرى كثيرة ، منهم عبد الله بن عمرو المازني رأس أهل مرو الروذ ، فقتل عاصم الأسرى ، وكان فرس الحارث قد رمي بسهم فنزعه الحارث ، وألح على الفرس بالضرب والحضر ليشغله عن أثر الجراحة ، وحمل عليه رجل من أهل الشام ، فلما قرب منه مال الحارث عن فرسه ثم اتبع الشامي فقال له : أسألك بحرمة الإسلام في دمي ! فقال : انزل عن فرسك . فنزل عن فرسه ، فركبه الحارث ، فقال رجل من عبد القيس في ذلك :

تولت قريش لذة العيش واتقت بنا كل فج من خراسان أغبرا     فليت قريشا أصبحوا ذات ليلة
يعومون في لج من البحر أخضرا



وعظم أهل الشام يحيى بن ( حضين لما صنع في نقض الكتاب ، وكتبوا كتابا بما كان وبهزيمة الحارث مع محمد بن مسلم العنبري . فلقي أسد بن عبد الله بالري ، وقيل ببيهق ، فكتب إلى أخيه ) ينتحل أنه هزم الحارث ويخبره بأمر يحيى ، فأجاز خالد يحيى بعشرة آلاف ( دينار و [ كساه ] مائة حلة .

وكانت ولاية عاصم أقل من سنة ، فحبسه أسد وحاسبه ، وطلب منه مائة ألف درهم ) وقال : إنك لم تفز ، وأطلق عمارة بن حريم وعمال الجنيد .

فلما قدم أسد لم يكن لعاصم إلا مرو ونيسابور ، والحارث بمرو الروذ ، وخالد بن عبد الله الهجري بآمل موافق للحارث ، فخاف أسد إن قصد الحارث بمرو الروذ أن يأتي الهجري من قبل آمل ، وإن قصد الهجري قصد الحارث مرو من قبل مرو الروذ . فأجمع على توجيه عبد الرحمن بن نعيم في أهل الكوفة والشام إلى الحارث بمرو الروذ ، وسار أسد بالناس إلى آمل ، فلقيه خيل آمل عليهم زياد القرشي مولى حيان النبطي وغيره ، فهزموا حتى رجعوا إلى المدينة ، فحصرهم أسد ونصب عليهم المجانيق وعليهم [ ص: 223 ] الهجري من أصحاب الحارث ، فطلبوا الأمان ، فأرسل إليهم أسد : ما تطلبون ؟ قالوا : كتاب الله وسنة نبيه ، صلى الله عليه وسلم ، وأن لا تأخذ أهل المدن بجنايتنا . فأجابهم إلى ذلك ، فاستعمل عليهم يحيى بن نعيم بن هبيرة الشيباني وسار يريد بلخا ، فأخبر أن أهلها قد بايعوا سليمان بن عبد الله بن خازم ، فسار حتى قدمها واتخذ سفنا وسار منها إلى ترمذ ، فوجد الحارث محاصرا لها ، وبها سنان الأعرابي ، فنزل أسد دون النهر ولم يطق العبور إليهم ولا يمدهم ، وخرج أهل ترمذ من المدينة فقاتلوا الحارث قتالا شديدا ، واستطرد الحارث لهم ، وكان قد وضع كمينا ، فتبعوه ، ونصر بن سيار مع أسد جالس ينظر ، فأظهر الكراهية ، وعرف أن الحارث قد كادهم ، وظن أسد أنما ذلك شفقة على الحارث حين ولي ، وأراد معاتبة نصر ، وإذا الكمين قد خرج عليهم فانهزموا .

ثم ارتحل أسد إلى بلخ ، وخرج أهل ترمذ إلى الحارث فهزموه وقتلوا جماعة من أهل البصائر ، منهم : عكرمة وأبو فاطمة . ثم سار أسد إلى سمرقند في طريق زم ، فلما قدم زم بعث إلى الهيثم الشيباني ، وهو في حصن من حصونها ، وهو من أصحاب الحارث ، فقال له أسد : إنما أنكرتم [ على قومكم ] ما كان من سوء السيرة ، ولم يبلغ ذلك السبي واستحلال الفروج ولا غلبة المشركين على مثل سمرقند ، وأنا أريد سمرقند ، ولك عهد الله وذمته أن لا ينالك مني شر ، ولك المواساة والكرامة والأمان ( ولمن معك ، وإن أبيت ما دعوتك إليه فعلي عهد الله إن أنت رميت بسهم أن لا أؤمنك بعده ، وإن جعلت لك ألف أمان لا أفي لك به . فخرج إليه على الأمان ) ، وسار معه إلى سمرقند ، ثم ارتفع إلى ورغسر ، وماء سمرقند منها ، فسكر الوادي وصرفه عن سمرقند ، ثم رجع إلى بلخ .

وقيل : إن أمر أسد وأصحاب الحارث كان سنة ثماني عشرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث