الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ثم قال : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) وفيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : اختلفوا في قوله : ( كل شيء هالك ) فمن الناس من فسر الهلاك بالعدم ، والمعنى أن الله تعالى يعدم كل شيء سواه ، ومنهم من فسر الهلاك بإخراجه عن كونه منتفعا به ، إما بالإماتة أو بتفريق الأجزاء ، وإن كانت أجزاؤه باقية، فإنه يقال هلك الثوب وهلك المتاع ولا يريدون به فناء أجزائه ، بل خروجه عن كونه منتفعا به ، ومنهم من قال : معنى كونه هالكا كونه قابلا للهلاك في ذاته ، فإن كل ما عداه ممكن الوجود لذاته ، وكل ما كان ممكن الوجود كان قابلا للعدم فكان قابلا للهلاك ، فأطلق عليه اسم الهلاك نظرا إلى هذا الوجه .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن المتكلمين لما أرادوا إقامة الدلالة على أن كل شيء سوى الله تعالى يقبل العدم والهلاك قالوا : ثبت أن العالم محدث ، وكل ما كان محدثا فإن حقيقته قابلة للعدم والوجود ، وكل ما كان كذلك وجب أن يبقى على هذه الحالة أبدا ؛ لأن الإمكان من لوازم الماهية ، ولازم الماهية لا يزول قط ، إلا أنا لما نظرنا في هذه الدلالة ما وجدناها وافية بهذا الغرض ؛ لأنهم إنما أقاموا الدلالة على حدوث الأجسام والأعراض ، فلو قدروا على إقامة الدلالة على أن ما سوى الله تعالى إما متحيز أو قائم بالمتحيز لتم غرضهم ، إلا أن الخصم يثبت موجودات لا متحيزة ولا قائمة بالمتحيز، فالدليل الذي يبين حدوث المتحيز والقائم بالمتحيز لا يبين حدوث كل ما سوى الله تعالى إلا بعد قيام الدلالة على نفي ذلك القسم الثالث، ولهم في نفي هذا القسم الثالث طريقان :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : قولهم لا دليل عليه فوجب نفيه وهذه طريقة ركيكة بينا سقوطها في الكتب الكلامية .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : قولهم لو وجد موجود هكذا لكان مشاركا لله تعالى في نفي المكان والزمان والإمكان ، ولو كان كذلك لصار مثلا لله تعالى وهو ضعيف ؛ لاحتمال أن يقال : إنهما وإن اشتركا في هذا السلب إلا أنه يتميز كل واحد منهما عن الآخر بماهية وحقيقة ، وإذا كان كذلك ظهر أن دليلهم العقلي لا يفي بإثبات أن كل شيء هالك إلا وجهه ، والذي يعتمد عليه في هذا الباب أن نقول : ثبت أن صانع العالم واجب الوجود لذاته ، فيستحيل وجود موجود آخر واجب لذاته ، وإلا لاشتركا في الوجوب وامتاز كل واحد منهما عن الآخر بخصوصيته ، وما به المشاركة غير ما به الممايزة فيكون كل واحد منهما مركبا عما به المشاركة وعما به الممايزة وكل مركب ممكن مفتقر إلى جزئه ، ثم إن الجزأين إن كانا واجبين كانا مشتركين في الوجوب ومتمايزين باعتبار آخر فيلزم تركب كل واحد منهما أيضا ويلزم التسلسل وهو محال ، وإن لم يكونا واجبين ؛ فالمركب عنهما المفتقر إليهما أولى أن لا يكون واجبا ، فثبت أن واجب الوجود واحد ، وأن كل ما عداه فهو ممكن ، وكل ممكن فلا بد له من مرجح ، وافتقاره إلى المرجح ، إما حال عدمه أو حال وجوده ، فإن كان الأول [ ص: 21 ] ثبت أنه محدث ، وإن كان الثاني فافتقار الموجود إلى المؤثر ، إما حال حدوثه أو حال بقائه ، والثاني باطل ؛ لأنه يلزم إيجاد الموجود وهو محال ، فثبت أن الافتقار لا يحصل إلا حال الحدوث ، وثبت أن كل ما سوى الله تعالى محدث سواء كان متحيزا أو قائما بالمتحيز أو لا متحيزا ولا قائما بالمتحيز ، فإن نقضت هذه الدلالة بذات الله وصفاته ، فاعلم أن هناك فرقا قويا، وإذا ثبت حدوث كل ما سواه وثبت أن كل ما كان محدثا كان قابلا للعدم ثبت بهذا البرهان الباهر أن كل شيء هالك إلا وجهه ، بمعنى كونه قابلا للهلاك والعدم ، ثم إن الذين فسروا الآية بذلك قالوا هذا أولى؛ وذلك لأنه سبحانه حكم بكونها هالكة في الحال ، وعلى ما قلناه فهي هالكة في الحال ، وعلى ما قلتموه أنها ستهلك لا أنها هالكة في الحال ، فكان قولنا أولى ، وأيضا فالممكن إذا وجد من حيث هو لم يكن مستحقا لا للوجود ولا للعدم من ذاته ، فهذه الاستحقاقية مستحقة له من ذاته ، وأما الوجود فوارد عليه من الخارج فالوجود له كالثوب المستعار له، وهو من حيث هو هو كالإنسان الفقير الذي استعار ثوبا من رجل غني ، فإن الفقير لا يخرج بسبب ذلك عن كونه فقيرا كذا الممكنات عارية عن الوجود من حيث هي هي ، وإنما الوجود ثوب حصل لها بالعارية فصح أنها أبدا هالكة من حيث هي هي ، أما الذين حملوه على أنها ستعدم فقد احتجوا بأن قالوا : الهلاك في اللغة له معنيان .

                                                                                                                                                                                                                                            أحدهما : خروج الشيء عن أن يكون منتفعا به .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : الفناء والعدم ؛ لا جائز حمل اللفظ على الأول ؛ لأن هلاكها بمعنى خروجها عن حد الانتفاع محال ؛ لأنها وإن تفرقت أجزاؤها فإنها منتفع بها ؛ لأن النفع المطلوب كونها بحيث يمكن أن يستدل بها على وجود الصانع القديم ، وهذه المنفعة باقية سواء بقيت متفرقة أو مجتمعة ، وسواء بقيت موجودة أو صارت معدومة . وإذا تعذر حمل الهلاك على هذا الوجه وجب حمله على الفناء .

                                                                                                                                                                                                                                            أجاب من حمل الهلاك على التفرق قال : هلاك الشيء خروجه عن المنفعة التي يكون الشيء مطلوبا لأجلها ، فإذا مات الإنسان قيل : هلك لأن الصفة المطلوبة منه حياته وعقله ، وإذا تمزق الثوب قيل هلك ؛ لأن المقصود منه صلاحيته للبس ، فإذا تفرقت أجزاء العالم خرجت السماوات والكواكب والجبال والبحار عن صفاتها التي لأجلها كانت منتفعا بها انتفاعا خاصا ، فلا جرم صح إطلاق اسم الهالك عليها فأما صحة الاستدلال بها على الصانع سبحانه فهذه المنفعة ليست منفعة خاصة بالشمس من حيث هي شمس ، والقمر من حيث هو قمر ، فلم يلزم من بقائها أن لا يطلق عليها اسم الهالك ثم احتجوا على بقاء أجزاء العالم بقوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) (إبراهيم : 48 ) وهذا صريح بأن تلك الأجزاء باقية إلا أنها صارت متصفة بصفة أخرى فهذا ما في هذا الموضع .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : احتج أهل التوحيد بهذه الآية على أن الله تعالى شيء ، قالوا : لأنه استثنى من قوله : ( كل شيء ) استثناء يخرج ما لولاه لوجب أو لصح دخوله تحت اللفظ فوجب كونه شيئا ، يؤكده ما ذكرناه في سورة الأنعام ، وهو قوله : ( قل أي شيء أكبر شهادة قل الله ) (الأنعام : 19 ) واحتجاجهم على أنه ليس بشيء بقوله : ( ليس كمثله شيء ) (الشورى : 11 ) والكاف معناه المثل فتقدير الآية ليس مثل مثله شيء ، ومثل مثل الله هو الله فوجب أن لا يكون الله شيئا ، جوابه : أن الكاف صلة زائدة .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : استدلت المجسمة بهذه الآية على أن الله تعالى جسم من وجهين .

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : قالوا : الآية صريحة في إثبات الوجه وذلك يقتضي الجسمية .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : قوله : ( وإليه ترجعون ) وكلمة ( إلى ) لانتهاء الغاية وذلك لا يعقل إلا في الأجسام ، والجواب : لو صح هذا الكلام يلزم أن يفنى جميع أعضائه وأن لا يبقى منه [ ص: 22 ] إلا الوجه ، وقد التزم ذلك بعض المشبهة من الرافضة . وهو بيان بن سمعان وذلك لا يقول به عاقل ، ثم من الناس من قال : الوجه هو الوجود والحقيقة ، يقال : وجه هذا الأمر كذا أي حقيقته ، ومنهم من قال : الوجه صلة ، والمراد كل شيء هالك إلا هو ، وأما كلمة إلى فالمعنى وإلى موضع حكمه وقضائه ترجعون .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة : استدلت المعتزلة به على أن الجنة والنار غير مخلوقتين ، قالوا : لأن الآية تقتضي فناء الكل فلو كانتا مخلوقتين لفنيتا ، وهذا يناقض قوله تعالى في صفة الجنة : ( أكلها دائم ) (الرعد : 35 ) والجواب : هذا معارض بقوله تعالى في صفة الجنة : ( أعدت للمتقين ) (آل عمران : 133 ) وفي صفة النار ( وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ) (البقرة : 24 ) ثم إما أن يحمل قوله : ( كل شيء هالك ) على الأكثر ، كقوله :( وأوتيت من كل شيء ) (النمل : 23 ) أو يحمل قوله : ( أكلها دائم ) على أن زمان فنائهما لما كان قليلا بالنسبة إلى زمان بقائهما لا جرم أطلق لفظ الدوام عليه .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الخامسة : قوله : ( كل شيء هالك ) يدل على أن الذات ذات بالفعل ، لأنه حكم بالهلاك على الشيء فدل على أن الشيء في كونه شيئا قابل للهلاك ، فوجب أن لا يكون المعدوم شيئا والله أعلم . والحمد لله رب العالمين .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية