الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

أبواب الجمعة .

باب التغليظ في تركها

1179 - ( عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة : { لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم } رواه أحمد ومسلم ) .

1180 - ( وعن أبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره : { لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين } رواه مسلم ، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس ) .

1181 - ( وعن أبي الجعد الضمري - وله صحبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 264 ] { من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه } رواه الخمسة ، ولأحمد وابن ماجه من حديث جابر نحوه ) .

التالي السابق


حديث أبي الجعد أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والبزار . وصححه ابن السكن ، وأبو الجعد ، قال الترمذي عن البخاري : لا أعرف اسمه ، وكذا قال أبو حاتم ، وذكره الطبراني في الكنى من معجمه ، وقيل : اسمه أدرع ، وقيل جنادة ، وقيل : عمرو . وقد اختلف في هذا الحديث على أبي سلمة ، فقيل : عن أبي الجعد . قال الحافظ : وهو الصحيح ، وقيل عن أبي هريرة وهو وهم ، قاله الدارقطني في العلل ورواه الحاكم من حديث أبي قتادة وهو حسن وقد اختلف فيه . وحديث جابر الذي أشار إليه المصنف رحمه اللهأخرجه أيضا النسائي وابن خزيمة والحاكم بلفظ : { من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع على قلبه } قال الدارقطني : إنه أصح من حديث أبي الجعد .

ولجابر حديث آخر بلفظ : { إن الله افترض عليكم الجمعة في شهركم هذا ، فمن تركها استخفافا بها وتهاونا ألا فلا جمع الله له شمله ، ألا ولا بارك الله له ، ألا ولا صلاة له } أخرجه ابن ماجه ، وفي إسناده عبد الله البلوي وهو واهي الحديث وأخرجه البزار من وجه آخر وفيه علي بن زيد بن جدعان . قال الدارقطني : إن الطريقين كليهما غير ثابت . وقال ابن عبد البر : هذا الحديث واهي الإسناد انتهى وفي الباب عن ابن عمر حديث آخر غير ما ذكر المصنف عند الطبراني في الأوسط بلفظ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ألا عسى أحد منكم أن يتخذ الضبنة من الغنم على رأس ميلين أو ثلاثة تأتي الجمعة فلا يشهدها ثلاثا فيطبع الله على قلبه } وسيأتي نحوه في الباب الذي بعد هذا من حديث أبي هريرة . والضبنة الضاد المعجمة ثم باء موحدة ساكنة ثم نون : هي ما تحت يدك من مال أو عيال . وعن ابن عباس حديث آخر غير الذي ذكره المصنف عند أبي يعلى الموصلي : { من ترك ثلاث جمع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره } هكذا ذكره موقوفا ، وله حكم الرفع ، لأن مثله لا يقال من قبل الرأي كما قال العراقي .

وعن سمرة عند أبي داود والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم : { من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار ، فإن لم يجد فنصف دينار } .

وعن أسامة بن زيد عند الطبراني في الكبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من ترك ثلاث جمع من غير عذر كتب من المنافقين } وفي إسناده جابر الجعفي ، وقد ضعفه الجمهور .

وعن أنس عند الديلمي في مسند الفردوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من ترك ثلاث جمع متواليات من غير عذر طبع الله على قلبه } .

وعن عبد الله بن أبي أوفى عند الطبراني في الكبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من سمع النداء يوم الجمعة ولم يأتها ثم سمع النداء ولم يأتها ثلاثا طبع على قلبه فجعل قلب منافق } قال العراقي : وإسناده جيد .

وعن عقبة بن عامر [ ص: 265 ] عند أحمد في حديث طويل فيه { أناس يحبون اللبن ويخرجون من الجماعات ويدعون الجمعات } وفي إسناده ابن لهيعة .

وعن أبي قتادة عند أحمد أيضا بنحو حديث جابر الأول . وعن كعب بن مالك عند الطبراني في الكبير بنحو حديث أبي هريرة وابن عمر المذكور في الباب

قوله : ( يتخلفون عن الجمعة ) قال في الفتح : قد اختلف في تسمية اليوم بالجمعة مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية : العروبة ، بفتح العين وضم الراء وبالموحدة ، فقيل : سمي بذلك لأن كمال الخلق جمع فيه ذكره أبو حذيفة عن ابن عباس وإسناده ضعيف . وقيل : لأن خلق آدم جمع فيه . ورد ذلك من حديث سلمان . عند أحمد وابن خزيمة وغيرهما ، وله شاهد عن أبي هريرة ذكره ابن أبي حاتم موقوفا بإسناد قوي ، وأحمد مرفوعا بإسناد ضعيف ، وهذا أصح الأقوال . ويليه ما أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة وكانوا يسمونه يوم العروبة ، فصلى بهم وذكرهم فسموه الجمعة حين اجتمعوا إليه . وقيل : لأن كعب بن لؤي كان يجمع قومه فيه ويذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ، ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبي . روى ذلك الزبير في كتاب النسب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعا ، وبه جزم الفراء وغيره . وقيل : إن قصيا هو الذي كان يجمعهم ، ذكره ثعلب في أماليه . وقيل : سمي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه ، وبهذا جزم ابن حزم فقال . : إنه اسم إسلامي لم يكن في الجاهلية وأنه كان يسمى : يوم العروبة . قال الحافظ : وفيه نظر ، فقد قال أهل اللغة : إن العروبة اسم قديم كان للجاهلية . وقالوا في الجمعة : هو يوم العروبة فالظاهر أنهم غيروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تسمى : أول أهون . جبار . دبار . مؤنس . عروبة . شبار . قال الجوهري : وكانت العرب تسمي يوم الاثنين : أهون ، في أسمائهم القديمة ، وهذا يشعر بأنهم أحدثوا لها اسما وهي هذه المتعارفة كالسبت والأحد . . . إلخ . وقيل : إن أول من سمى الجمعة العروبة كعب بن لؤي ، وبه جزم بعض أهل اللغة . والجمعة بضم الميم على المشهور وقد تسكن ، وقرأ بها الأعمش ، وحكى الفراء فتحها ، وحكى الزجاج كسرها . قال النووي : ووجهوا الفتح بأنها تجمع الناس ويكثرون فيها كما يقال : همزة ولمزة ، لكثير الهمز واللمز ونحو ذلك .

قوله : ( لقد هممت . . . إلخ ) قد استدل بذلك على أن الجمعة من فروض الأعيان . وأجيب عن ذلك بأجوبة قدمنا ذكرها في أبواب الجماعة ، وسيأتي بيان ما هو الحق . قوله : ( ودعهم ) أي تركهم . قوله : ( أو ليختمن الله تعالى ) .

الختم : الطبع والتغطية . قال القاضي عياض : اختلف المتكلمون في هذا اختلافا كثيرا ، فقيل : هو إعدام اللطف وأسباب الخير . وقيل : هو خلق الكفر في صدورهم ، وهو قول أكثر متكلمي أهل السنة ، يعني الأشعرية . وقال غيرهم : هو [ ص: 266 ] الشهادة عليهم . وقيل : هو علامة جعلها الله تعالى في قلوبهم ليعرف بها الملائكة من يمدح ومن يذم . قال العراقي : والمراد بالطبع على قلبه أنه يصير قلبه قلب منافق ، كما تقدم في حديث ابن أبي أوفى ، وقد قال تعالى في حق المنافقين : { فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون } . قوله : ( ثلاث جمع ) يحتمل أن يراد حصول الترك مطلقا سواء توالت الجمعات أو تفرقت ، حتى لو ترك في كل سنة جمعة لطبع الله تعالى على قلبه بعد الثالثة وهو ظاهر الحديث ، ويحتمل أن يراد ثلاث جمع متوالية كما تقدم في حديث أنس ، لأن موالاة الذنب ومتابعته مشعرة بقلة المبالاة .

قوله : ( تهاونا ) فيه أن الطبع المذكور إنما يكون على قلب من ترك ذلك تهاونا ، فينبغي حمل الأحاديث المطلقة على هذا الحديث المقيد بالتهاون ، وكذلك تحمل الأحاديث المطلقة على المقيدة بعدم العذر كما تقدم . وقد استدل بأحاديث الباب على أن الجمعة من فروض الأعيان . وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أنها فرض عين . وقال ابن العربي : الجمعة فرض بإجماع الأمة .

وقال ابن قدامة في المغني : أجمع المسلمون على وجوب الجمعة . وقد حكى الخطابي الخلاف في أنها من فروض الأعيان أو من فروض الكفايات ، وقال : قال أكثر الفقهاء : هي من فروض الكفايات ، وذكر ما يدل على أن ذلك قول للشافعي ، وقد حكاه المرعشي عن قوله القديم ، قال الدارمي : وغلطوا حاكيه . وقال أبو إسحاق المروزي : لا يجوز حكاية هذا عن الشافعي ، وكذلك حكاه الروياني عن حكاية بعضهم وغلطه .

قال العراقي : نعم هو وجه لبعض الأصحاب . قال : وأما ما ادعاه الخطابي من أن أكثر الفقهاء قالوا : إن الجمعة فرض على الكفاية ففيه نظر ، فإن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على أنها فرض عين لكن بشروط يشترطها أهل كل مذهب . قال ابن العربي : وحكى ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة ، ثم قال : قلنا : له تأويلان : أحدهما : أن مالكا يطلق السنة على الفرض .

الثاني : أنه أراد سنة على صفتها لا يشاركها فيه سائر الصلوات حسب ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله المسلمون ، وقد روى ابن وهب عن مالك : " عزيمة الجمعة على كل من سمع النداء " انتهى . ومن جملة الأدلة الدالة على أن الجمعة من فرائض الأعيان قول الله تعالى : { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا } . ومنها حديث طارق بن شهاب الآتي في الباب الذي بعد هذا . ومنها حديث حفصة الآتي أيضا . ومنها ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : { نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، ثم هذا يومهم الذي فرض الله تعالى عليهم واختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له فالناس لنا تبع فيه } الحديث . وقد استنبط منه البخاري فرضية صلاة الجمعة وبوب عليه باب فرض الجمعة ، وصرح النووي والحافظ بأنه يدل على الفرضية ، [ ص: 267 ] قال لقوله صلى الله عليه وسلم : { فرض الله تعالى عليهم فهدانا له } فإن التقدير : فرض عليهم وعلينا ، فضلوا وهدينا .

وقد وقع عند مسلم في رواية سفيان عن أبي الزناد بلفظ : " كتب علينا " وقد أجاب عن هذه الأدلة من لم يقل بأنها فرض عين بأجوبة : إما عن حديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف فيما تقدم في الجماعة . وإما عن سائر الأحاديث المشتملة على الوعيد ، فبصرفها إلى من ترك الجمعة تهاونا حملا للمطلق على المقيد ، ولا نزاع في أن التارك لها تهاونا مستحق للوعيد المذكور ، وإنما النزاع فيمن تركها غير متهاون

وأما عن الآية فما يقضي به آخرها ، أعني قوله : { ذلكم خير لكم } . من عدم فرضية العين . وأما عن حديث طارق فما قيل فيه من الإرسال وسيأتي . وأما عن حديث أبي هريرة الآخر فبمنع استلزام افتراض يوم الجمعة على من قبلنا افتراضه علينا . وأيضا ليس فيه افتراض صلاة الجمعة عليهم ولا علينا .

وقد ردت هذه الأجوبة بردود . والحق أن الجمعة من فرائض الأعيان على سامع النداء ، ولو لم يكن في الباب إلا حديث طارق وأم سلمة الآتيين لكانا مما تقوم به الحجة على الخصم . والاعتذار عن حديث طارق بالإرسال ستعرف اندفاعه . وكذلك الاعتذار بأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم كان صغيرا لا يتسع هو ورحبته لكل المسلمين ، وما كانت تقام الجمعة في عهده صلى الله عليه وسلم بأمره إلا في مسجده ، وقبائل العرب كانوا مقيمين في نواحي المدينة مسلمين ولم يؤمروا بالحضور مدفوع بأن تخلف المتخلفين عن الحضور بعد أمر الله تعالى به وأمر رسوله والتوعد الشديد لمن لم يحضر لا يكون حجة إلا على فرض تقريره صلى الله عليه وسلم للمتخلفين على تخلفهم واختصاص الأوامر بمن حضر جمعته صلى الله عليه وسلم من المسلمين ، وكلاهما باطل .

أما الأول : فلا يصح نسبة التقرير إليه بعد همه بإحراق المتخلفين عن الجمعة وإخباره بالطبع على قلوبهم وجعلها كقلوب المنافقين . وأما الثاني : فمع كونه قصرا للخطابات العامة بدون برهان ، ترده أيضا تلك التوعدات للقطع بأنه لا معنى لتوعد الحاضرين ولتصريحه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك الوعيد للمتخلفين ، وضيق مسجده صلى الله عليه وسلم لا يدل على عدم الفرضية إلا على فرض أن الطلب مقصور على مقدار ما يتسع له من الناس أو عدم إمكان إقامتها في البقاع التي خارجه وفي سائر البقاع ، وكلاهما باطل .

أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فكذلك أيضا لإمكان إقامتها في تلك البقاع عقلا وشرعا . لا يقال عدم أمره صلى الله عليه وسلم بإقامتها في غير مسجده يدل على عدم الوجوب . لأنا نقول : الطلب العام يقتضي وجوب صلاة الجمعة على كل فرد من أفراد المسلمين ، ومن لا يمكنه إقامتها في مسجده صلى الله عليه وسلم لا يمكنه الوفاء بما طلبه الشارع إلا بإقامتها في غيره ، وما لا يتم الواجب إلا به واجب كوجوبه ، كما تقرر في الأصول .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث