الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون ( 56 ) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون ( 57 ) سلام قولا من رب رحيم ( 58 ) )

يعني تعالى بقوله ( هم ) أصحاب الجنة ( وأزواجهم ) من أهل الجنة في الجنة .

[ ص: 538 ] كما حدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( هم وأزواجهم في ظلال ) قال : حلائلهم في ظلل .

واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم : ( في ظلل ) بمعنى : جمع ظلة ، كما تجمع الحلة حللا . وقرأه آخرون ( في ظلال ) ; وإذا قرئ ذلك كذلك كان له وجهان : أحدهما أن يكون مرادا به جمع الظلل الذي هو بمعنى الكن ، فيكون معنى الكلمة حينئذ : هم وأزواجهم في كن لا يضحون لشمس كما يضحى لها أهل الدنيا ، لأنه لا شمس فيها . والآخر : أن يكون مرادا به جمع ظلة ، فيكون وجه جمعها كذلك نظير جمعهم الخلة في الكثرة : الخلال ، والقلة : قلال .

وقوله ( على الأرائك متكئون ) والأرائك : هي الحجال فيها السرر والفرش : واحدتها أريكة ، وكان بعضهم يزعم أن كل فراش أريكة ، ويستشهد لقوله ذلك بقول ذي الرمة :


. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كأنما يباشرن بالمعزاء مس الأرائك



وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يعقوب قال : ثنا هشيم قال : أخبرنا حصين ، عن مجاهد ، عن ابن عباس في قوله ( على الأرائك متكئون ) قال : هي السرر في الحجال .

[ ص: 539 ] حدثنا هناد قال : ثنا أبو الأحوص ، عن حصين ، عن مجاهد في قول الله ( على الأرائك متكئون ) قال : الأرائك : السرر عليها الحجال .

حدثنا ابن بشار قال : ثنا مؤمل قال : ثنا سفيان قال : ثنا حصين ، عن مجاهد في قوله ( متكئين فيها على الأرائك ) قال : الأرائك : السرر في الحجال .

حدثنا أبو السائب قال : ثنا ابن إدريس قال : أخبرنا حصين ، عن مجاهد في قوله ( على الأرائك ) قال : سرر عليها الحجال .

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه قال : زعم محمد أن عكرمة قال : الأرائك : السرر في الحجال .

حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية ، عن أبي رجاء قال : سمعت الحسن ، وسأله رجل عن الأرائك قال : هي الحجال . أهل اليمن يقولون : أريكة فلان . وسمعت عكرمة وسئل عنها فقال : هي الحجال على السرر .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( على الأرائك متكئون ) قال : هي الحجال فيها السرر .

وقوله ( لهم فيها فاكهة ) يقول لهؤلاء الذين ذكرهم تبارك وتعالى من أهل الجنة في الجنة فاكهة ( ولهم ما يدعون ) يقول : ولهم فيها ما يتمنون . وذكر عن العرب أنها تقول : دع علي ما شئت أي : تمن علي ما شئت .

وقوله ( سلام قولا من رب رحيم ) في رفع " سلام " وجهان في قول بعض نحويي الكوفة ; أحدهما : أن يكون خبرا لما يدعون ، فيكون معنى الكلام : ولهم ما يدعون مسلم لهم خالص . وإذا وجه معنى الكلام إلى ذلك كان القول حينئذ منصوبا توكيدا خارجا من السلام ، كأنه قيل : ولهم فيها ما يدعون مسلم خالص حقا ، كأنه قيل : قاله قولا . والوجه الثاني : أن يكون قوله ( سلام ) مرفوعا على المدح ، بمعنى : هو سلام لهم قولا من الله . وقد ذكر أنها في قراءة عبد الله : [ ص: 540 ] ( سلاما قولا ) على أن الخبر متناه عند قوله ( ولهم ما يدعون ) ثم نصب سلاما على التوكيد ، بمعنى : مسلما قولا . وكان بعض نحويي البصرة يقول : انتصب قولا على البدل من اللفظ بالفعل ، كأنه قال : أقول ذلك قولا . قال : ومن نصبها نصبها على خبر المعرفة على قوله ( ولهم ) فيها ( ما يدعون ) .

والذي هو أولى بالصواب على ما جاء به الخبر عن محمد بن كعب القرظي ، أن يكون ( سلام ) خبرا لقوله ( ولهم ما يدعون ) فيكون معنى ذلك : ولهم فيها ما يدعون ، وذلك هو سلام من الله عليهم ، بمعنى : تسليم من الله ، ويكون قولا ترجمة ما يدعون ، ويكون القول خارجا من قوله : سلام .

وإنما قلت ذلك أولى بالصواب لما حدثنا به إبراهيم بن سعيد الجوهري قال : ثنا أبو عبد الرحمن المقري ، عن حرملة ، عن سليمان بن حميد قال : سمعت محمد بن كعب ، يحدث عمر بن عبد العزيز قال : إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار ، أقبل يمشي في ظلل من الغمام والملائكة ، فيقف على أول أهل درجة ، فيسلم عليهم ، فيردون عليه السلام ، وهو في القرآن ( سلام قولا من رب رحيم ) فيقول : سلوا ، فيقولون : ما نسألك وعزتك وجلالك ، لو أنك قسمت بيننا أرزاق الثقلين لأطعمناهم وسقيناهم وكسوناهم ، فيقول : سلوا ، فيقولون : نسألك رضاك ، فيقول : رضائي أحلكم دار كرامتي ، فيفعل ذلك بأهل كل درجة حتى ينتهي قال : ولو أن امرأة من الحور العين طلعت لأطفأ ضوء سواريها الشمس والقمر ، فكيف بالمسورة " .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : ثنا حرملة ، عن سليمان بن حميد قال : سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عمر بن عبد العزيز قال : إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار ، أقبل في ظلل من الغمام والملائكة قال : فيسلم على أهل الجنة ، فيردون عليه السلام ، قال القرظي : وهذا في كتاب الله ( سلام قولا من رب رحيم ) ؟ فيقول : سلوني ، فيقولون : ماذا نسألك ، أي رب؟ قال : بل سلوني قالوا : نسألك أي رب رضاك قال : رضائي أحلكم [ ص: 541 ] دار كرامتي ، قالوا : يا رب وما الذي نسألك! فوعزتك وجلالك ، وارتفاع مكانك ، لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم ، ولأسقيناهم ، ولألبسناهم ولأخدمناهم ، لا ينقصنا ذلك شيئا قال : إن لدي مزيدا قال : فيفعل الله ذلك بهم في درجتهم حتى يستوي في مجلسه قال : ثم تأتيهم التحف من الله تحملها إليهم الملائكة . ثم ذكر نحوه .

حدثنا ابن سنان القزاز قال : ثنا أبو عبد الرحمن قال : ثنا حرملة قال : ثنا سليمان بن حميد ، أنه سمع محمد بن كعب القرظي يحدث عمر بن عبد العزيز قال : إذا فرغ الله من أهل الجنة وأهل النار ، أقبل يمشي في ظلل من الغمام ويقف قال : ثم ذكر نحوه ، إلا أنه قال : فيقولون : فماذا نسألك يا رب ، فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك ، لو أنك قسمت علينا أرزاق الثقلين ، الجن والإنس ، لأطعمناهم ، ولسقيناهم ، ولأخدمناهم ، من غير أن ينتقص ذلك شيئا مما عندنا قال : بلى فسلوني ، قالوا : نسألك رضاك قال : رضائي أحلكم دار كرامتي ، فيفعل هذا بأهل كل درجة ، حتى ينتهي إلى مجلسه . وسائر الحديث مثله " . فهذا القول الذي قاله محمد بن كعب ، ينبئ عن أن " سلام " بيان عن قوله ( ما يدعون ) ، وأن القول خارج من السلام . وقوله ( من رب رحيم ) يعني : رحيم بهم إذ لم يعاقبهم بما سلف لهم من جرم في الدنيا .

التالي السابق


الخدمات العلمية