الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى يا أيها النبيء لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

يا أيها النبيء لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم .

[ ص: 346 ] افتتاح السورة بخطاب النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالنداء تنبيه على أن ما سيذكر بعده مما يهتم به النبيء - صلى الله عليه وسلم - والأمة ولأن سبب النزول كان من علائقه .

والاستفهام في قوله ( لم تحرم ) مستعمل في معنى النفي ، أي لا يوجد ما يدعو إلى أن تحرم على نفسك ما أحل الله لك ، ذلك أنه لما التزم عدم العود إلى ما صدر منه التزاما بيمين أو بدون يمين أراد الامتناع منه في المستقبل قاصدا بذلك تطمين أزواجه اللائي تمالأن عليه لفرط غيرتهن ، أي ليست غيرتهن مما تجب مراعاته في المعاشرة إن كانت فيما لا هضم فيه لحقوقهم ، ولا هي من إكرام إحداهن لزوجها إن كانت الأخرى لم تتمكن من إكرامه بمثل ذلك الإكرام في بعض الأيام .

وهذا يومئ إلى ضبط ما يراعى من الغيرة وما لا يراعى .

وفعل ( تحرم ) مستعمل في معنى : تجعل ما أحل لك حراما ، أي تحرمه على نفسك كقوله تعالى ( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) وقرينته قوله هنا ( ما أحل الله لك ) .

وليس معنى التحريم هنا نسبة الفعل إلى كونه حراما كما في قوله تعالى ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) ، وقوله ( يحلونه عاما ويحرمونه عاما ) ، فإن التفعيل يأتي بمعنى التصبير كما يقال : وسع هذا الباب ، ويأتي بمعنى إيجاد الشيء على حالة مثل ما يقال للخياط : وسع طوق الجبة .

ولا يخطر ببال أحد أن يتوهم منه أنك غيرت إباحته حراما على الناس أو عليك . ومن العجيب قول الكشاف : ليس لأحد أن يحرم ما أحل الله لأن الله إنما أحله لمصلحة عرفها في إحلاله إلخ .

وصيغة المضارع في قوله ( لم تحرم ) لأنه أوقع تحريما متجددا .

فجملة ( تبتغي ) حال من ضمير ( تحرم ) . فالتعجيب واقع على مضمون الجملتين مثل قوله ( لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ) وفي الإتيان بالموصول في قوله ( ما أحل الله لك ) لما في الصلة من الإيماء إلى تعليل الحكم هو أن ما أحله الله لعبده ينبغي له أن يتمتع به ما لم يعرض له ما [ ص: 347 ] يوجب قطعه من ضر أو مرض لأن تناوله شكر لله واعتراف بنعمته والحاجة إليه .

وفي قوله ( تبتغي مرضاة أزواجك ) عذر للنبيء - صلى الله عليه وسلم - فيما فعله من أنه أراد به خيرا وهو جلب رضا الأزواج لأنه أهون على معاشرته مع الإشعار بأن مثل هذه المرضاة لا يعبأ بها لأن الغيرة نشأت عن مجرد معاكسة بعضهن بعضا وذلك مما يختل به حسن المعاشرة بينهن ، فأنبأه الله أن هذا الاجتهاد معارض بأن تحريم ما أحل الله له يفضي إلى قطع كثير من أسباب شكر الله عند تناول نعمه وأن ذلك ينبغي إبطاله في سيرة الأمة .

وذيل بجملة ( والله غفور رحيم ) استئناسا للنبيء - صلى الله عليه وسلم - من وحشة هذا الملام ، أي والله غفور رحيم لك مثل قوله ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث