الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( قال قائل منهم إني كان لي قرين ( 51 ) يقول أئنك لمن المصدقين ( 52 ) أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون ( 53 ) )

يقول - تعالى ذكره - : قال قائل من أهل الجنة إذ أقبل بعضهم على بعض يتساءلون : ( إني كان لي قرين ) فاختلف أهل التأويل في القرين الذي ذكر في هذا الموضع ، فقال بعضهم : كان ذلك القرين شيطانا ، وهو الذي كان يقول له : ( أئنك لمن المصدقين ) بالبعث بعد الممات .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله : ( إني كان لي قرين ) قال : شيطان . وقال آخرون : ذلك القرين شريك كان له من بني آدم أو صاحب .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( قال قائل منهم إني كان لي قرين يقول أئنك لمن المصدقين ) قال : هو الرجل المشرك يكون له الصاحب في الدنيا من أهل الإيمان ، فيقول له المشرك : إنك لتصدق بأنك مبعوث من بعد الموت أئذا كنا ترابا ؟ فلما أن صاروا إلى الآخرة وأدخل المؤمن الجنة ، وأدخل المشرك النار ، فاطلع المؤمن ، فرأى صاحبه في سواء الجحيم ( قال تالله إن كدت لتردين )

حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال : ثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن فرات بن ثعلبة البهراني في قوله ( إني كان لي قرين ) قال : إن رجلين كانا شريكين ، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار ، وكان أحدهما له حرفة ، والآخر ليس له حرفة ، فقال الذي له حرفة للآخر : ليس لك حرفة ، ما أراني [ ص: 46 ] إلا مفارقك ومقاسمك ، فقاسمه وفارقه ، ثم إن الرجل اشترى دارا بألف دينار كانت لملك قد مات فدعا صاحبه فأراه . فقال : كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار ؟ قال : ما أحسنها ، فلما خرج قال : اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار ، وإني أسألك دارا من دور الجنة ، فتصدق بألف دينار ، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث . ثم إنه تزوج امرأة بألف دينار ، فدعاه وصنع له طعاما ، فلما أتاه قال : إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار قال : ما أحسن هذا ، فلما انصرف قال : يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار ، وإني أسألك امرأة من الحور العين ، فتصدق بألف دينار ، ثم إنه مكث ما شاء الله أن يمكث . ثم اشترى بستانين بألفي دينار ، ثم دعاه فأراه ، فقال : إني ابتعت هذين البستانين ، فقال : ما أحسن هذا ، فلما خرج قال : يا رب إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار ، وأنا أسألك بستانين من الجنة ، فتصدق بألفي دينار . ثم إن الملك أتاهما فتوفاهما ، ثم انطلق بهذا المتصدق فأدخله دارا تعجبه ، فإذا امرأة تطلع يضيء ما تحتها من حسنها ، ثم أدخله بستانين ، وشيئا - الله به عليم - فقال عند ذلك : ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا . قال : فإنه ذاك ، ولك هذا المنزل والبستانان والمرأة . قال : فإنه كان لي صاحب يقول : ( أئنك لمن المصدقين ) قيل له : فإنه في الجحيم . قال : فهل أنتم مطلعون ؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم ، فقال عند ذلك : ( تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين ) . . . . الآيات . وهذا التأويل الذي تأوله فرات بن ثعلبة يقوي قراءة من قرأ " إنك لمن المصدقين " بتشديد الصاد بمعنى : لمن المتصدقين ؛ لأنه يذكر أن الله - تعالى ذكره - إنما أعطاه ما أعطاه على الصدقة لا على التصديق . وقراءة قراء الأمصار على خلاف ذلك ، بل قراءتها بتخفيف الصاد وتشديد الدال . بمعنى : إنكار قرينه عليه التصديق أنه يبعث بعد الموت ، كأنه قال : أتصدق بأنك تبعث بعد مماتك ، وتجزى بعملك ، وتحاسب ؟ يدل على ذلك قول الله : ( أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون ) [ ص: 47 ] وهي القراءة الصحيحة عندنا التي لا يجوز خلافها ؛ لإجماع الحجة من القراء عليها .

وقوله ( أئنا لمدينون ) يقول : أئنا لمحاسبون ومجزيون بعد مصيرنا عظاما ولحومنا ترابا .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله ( أئنا لمدينون ) يقول : أئنا لمجازون بالعمل ، كما تدين تدان .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله ( أئنا لمدينون ) : أئنا لمحاسبون .

حدثنا محمد بن الحسين قال : ثنا أحمد بن المفضل قال : ثنا أسباط ، عن السدي ( أئنا لمدينون ) محاسبون .

التالي السابق


الخدمات العلمية