الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون "

القول في تأويل قوله تعالى : ( ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ( 51 ) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ( 52 ) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ( 53 ) )

يقول - تعالى ذكره - ( ونفخ في الصور ) وقد ذكرنا اختلاف المختلفين [ ص: 531 ] والصواب من القول فيه بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، ويعنى بهذه النفخة نفخة البعث .

وقوله ( فإذا هم من الأجداث ) يعني من أجداثهم ، وهي قبورهم ، واحدها جدث ، وفيها لغتان ، فأما أهل العالية ، فتقوله بالثاء : جدث ، وأما أهل السافلة فتقوله بالفاء جدف .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( من الأجداث إلى ربهم ينسلون ) يقول : من القبور .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( فإذا هم من الأجداث ) أي : من القبور .

وقوله ( إلى ربهم ينسلون ) يقول : إلى ربهم يخرجون سراعا ، والنسلان : الإسراع في المشي .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( ينسلون ) يقول : يخرجون .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( إلى ربهم ينسلون ) أي : يخرجون .

وقوله ( قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) يقول - تعالى ذكره - : قال هؤلاء المشركون لما نفخ في الصور نفخة البعث لموقف القيامة فردت أرواحهم إلى أجسامهم ، وذلك بعد نومة ناموها ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) وقد قيل : إن ذلك نومة بين النفختين .

[ ص: 532 ] وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا أبو أحمد قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن خيثمة ، عن الحسن ، عن أبي بن كعب في قوله ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) قال : ناموا نومة قبل البعث .

حدثنا ابن بشار قال : ثنا مؤمل قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن رجل يقال له خيثمة في قوله ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) قال : ينامون نومة قبل البعث .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) هذا قول أهل الضلالة . والرقدة : ما بين النفختين .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ) قال : الكافرون يقولونه .

ويعني بقوله ( من مرقدنا هذا ) من أيقظنا من منامنا ، وهو من قولهم : بعث فلان ناقته فانبعثت ، إذا أثارها فثارت . وقد ذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود : ( من أهبنا من مرقدنا هذا ) . . وفي قوله ( هذا ) وجهان : أحدهما : أن تكون إشارة إلى " ما " ، ويكون ذلك كلاما مبتدأ بعد تناهي الخبر الأول بقوله ( من بعثنا من مرقدنا ) فتكون " ما " حينئذ مرفوعة بهذا ، ويكون معنى الكلام : هذا وعد الرحمن وصدق المرسلون . والوجه الآخر : أن تكون من صفة المرقد ، وتكون خفضا وردا على المرقد ، وعند تمام الخبر عن الأول ، فيكون معنى الكلام : من بعثنا من مرقدنا هذا ، ثم يبتدئ الكلام فيقال : ما وعد الرحمن ، بمعنى : بعثكم وعد الرحمن ، فتكون " ما " حينئذ رفعا على هذا المعنى .

وقد اختلف أهل التأويل في الذي يقول حينئذ : هذا ما وعد الرحمن ، [ ص: 533 ] فقال بعضهم : يقول ذلك أهل الإيمان بالله .

ذكر من قال ذلك :

حدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( هذا ما وعد الرحمن ) مما سر المؤمنون يقولون هذا حين البعث .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) قال : قال أهل الهدى : هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون .

وقال آخرون : بل كلا القولين ، أعني ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) : من قول الكفار .

ذكر من قال ذلك :

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) ثم قال بعضهم لبعض ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) كانوا أخبرونا أنا نبعث بعد الموت ، ونحاسب ونجازى .

والقول الأول أشبه بظاهر التنزيل ، وهو أن يكون من كلام المؤمنين ، لأن الكفار في قيلهم ( من بعثنا من مرقدنا ) دليل على أنهم كانوا بمن بعثهم من مرقدهم جهالا ولذلك من جهلهم استثبتوا ، ومحال أن يكونوا استثبتوا ذلك إلا من غيرهم ، ممن خالفت صفته صفتهم في ذلك .

وقوله ( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) يقول - تعالى ذكره - : إن كانت إعادتهم أحياء بعد مماتهم إلا صيحة واحدة ، وهي النفخة الثالثة في الصور ( فإذا هم جميع لدينا محضرون ) يقول : فإذا هم مجتمعون لدينا قد أحضروا ، فأشهدوا موقف العرض والحساب ، لم يتخلف عنه منهم أحد . وقد بينا اختلاف المختلفين في قراءتهم ( إلا صيحة ) بالنصب والرفع فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .

[ ص: 534 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث