الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الخامسة : قوله : ( ذلك خير ) يمكن أن يكون معناه ذلك خير من غيره ، ويمكن أن يقال ذلك خير في نفسه ، وإن لم يقس إلى غيره لقوله تعالى : ( وافعلوا الخير ) [ الحج : 77 ] ( فاستبقوا الخيرات ) [ البقرة : 148 ] والثاني أولى لعدم احتياجه إلى إضمار ، ولكونه أكثر فائدة ; لأن الخير من الغير قد يكون نازل الدرجة ، عند نزول درجة ما يقاس إليه ، كما يقال : السكوت خير من الكذب ، وما هو خير في نفسه فهو حسن ينفع وفعل صالح يرفع .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة السادسة : قوله تعالى : ( للذين يريدون وجه الله ) إشارة إلى أن الاعتبار بالقصد لا بنفس الفعل ، فإن من أنفق جميع أمواله رياء الناس لا ينال درجة من يتصدق برغيف لله ، وقوله : ( وجه الله ) أي يكون عطاؤه لله لا غير ، فمن أعطى للجنة لم يرد به وجه الله ، وإنما أراد مخلوق الله .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة السابعة : كيف قال : ( وأولئك هم المفلحون ) مع أن للإفلاح شرائط أخر ، وهي المذكورة في قوله : ( قد أفلح المؤمنون ) [ المؤمنون : 1 ] فنقول : كل وصف مذكور هناك يفيد الإفلاح ، فقوله ( والذين هم للزكاة فاعلون ) [ المؤمنون : 4 ] وقوله : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) [ المؤمنون : 8 ] إلى غير ذلك عطف على المفلح ، أي هذا مفلح ، وذاك مفلح ، وذاك الآخر مفلح ، لا يقال لا يحصل الإفلاح لمن يتصدق ولا يصلي ، فنقول : هذا كقول القائل : العالم مكرم ، أي نظرا إلى علمه ، ثم إذا حد في الزنا على سبيل النكال ، وقطعت يده في السرقة لا يبطل ذلك القول حتى يقول القائل : إنما ذلك ; لأنه أتى بالفسق ، فكذلك إيتاء المال لوجه الله يفيد الإفلاح ، اللهم إلا إذا وجد مانع من ارتكاب محظور أو ترك واجب .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثامنة : لم لم يذكر غيره من الأفعال كالصلاة وغيرها ؟ فنقول : الصلاة مذكورة من قبل ; لأن الخطاب هاهنا بقوله : ( فآت ) مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره تبع ، وقد قال له من قبل ( فأقم وجهك للدين حنيفا ) وقال : [ ص: 111 ] ( منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ) .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة التاسعة : قوله تعالى : ( وأولئك هم المفلحون ) يفهم منه الحصر ، وقد قال في أول سورة البقرة : ( وأولئك هم المفلحون ) إشارة إلى من أقام الصلاة وآتى الزكاة ، وآمن بما أنزل على رسوله ، وبما أنزل من قبله وبالآخرة ، فلو كان المفلح منحصرا في أولئك المذكورين في سورة البقرة فهذا خارج عنهم ، فكيف يكون مفلحا ؟ فنقول : هذا هو ذاك ; لأنا بينا أن قوله : ( فأقم وجهك للدين ) متصل بهذا الكلام فإذا أتى بالصلاة وآتى المال وأراد وجه الله ، فقد ثبت أنه مؤمن مقيم للصلاة مؤت للزكاة معترف بالآخرة فصار مثل المذكور في البقرة .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية