الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

أبو ذر الهروي

الحافظ الإمام المجود ، العلامة ، شيخ الحرم ، أبو ذر ، عبد بن [ ص: 555 ] أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير بن محمد ، المعروف ببلده بابن السماك ، الأنصاري الخراساني الهروي المالكي ، صاحب التصانيف ، وراوي " الصحيح " عن الثلاثة : المستملي ، والحموي ، والكشميهني .

قال : ولدت سنة خمس أو ست وخمسين وثلاثمائة .

سمع أبا الفضل محمد بن عبد الله بن خميرويه ، وبشر بن محمد المزني ، وعدة بهراة ، وأبا بكر هلال بن محمد بن محمد ، وشيبان بن محمد الضبعي بالبصرة ، وعبيد الله بن عبد الرحمن الزهري ، وأبا عمر بن حيويه ، وعلي بن عمر السكري ، وأبا الحسن الدارقطني ، وطبقتهم ببغداد ، وعبد الوهاب الكلابي ونحوه بدمشق ، وأبا مسلم الكاتب وطبقته بمصر ، وزاهر بن أحمد الفقيه بسرخس ، وأبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي ببلخ ، وأبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن عثمان الدينوري ، وغيره بمكة . وألف " معجما " لشيوخه ، وحدث بخراسان وبغداد والحرم .

حدث عنه : ابنه أبو مكتوم عيسى ، وموسى بن علي الصقلي ، وعلي بن محمد بن أبي الهول ، والقاضي أبو الوليد الباجي ، وأبو عمران موسى بن أبي حاج الفارسي ، وأبو العباس بن دلهاث ، ومحمد بن شريح ، وأبو عبد الله بن منظور ، وعبد الله بن الحسن التنيسي ، وأبو صالح أحمد بن عبد [ ص: 556 ] الملك المؤذن ، وعلي بن بكار الصوري ، وأحمد بن محمد القزويني ، وأبو الطاهر إسماعيل بن سعيد النحوي ، وعبد الله بن سعيد الشنتجالي وعبد الحق بن هارون السهمي ، وأبو الحسين بن المهتدي بالله ، وعلي بن عبد الغالب البغدادي ، وأبو بكر أحمد بن علي الطريثيثي ، وأبو شاكر أحمد بن علي العثماني ، وعنده عنه فرد حديث ، وعدة .

وروى عنه بالإجازة : أبو عمر بن عبد البر ، وأبو بكر الخطيب ، وأحمد بن عبد القادر اليوسفي ، وأبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون الخولاني المتوفى في سنة ثمان وخمسمائة .

أخبرنا المسلم بن محمد في كتابه ، عن القاسم بن علي ، أخبرنا أبي ، أخبرنا علي بن أحمد الجرباذقاني بهراة ( ح ) وأخبرنا أبو الحسن الغرافي ، أخبرنا علي بن روزبه ببغداد ، أخبرنا أبو الوقت السجزي قالا : أخبرنا أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري قال : عبد بن أحمد السماك الحافظ صدوق ، تكلموا في رأيه ، سمعت منه حديثا واحدا عن شيبان بن محمد الضبعي ، عن أبي خليفة ، عن علي بن المديني حديث جابر بطوله في الحج قال لي : اقرأه علي حتى تعتاد قراءة الحديث ، وهو أول حديث [ ص: 557 ] قرأته على الشيخ ، وناولته الجزء ، فقال : لست على وضوء ، فضعه .

قال أبو ذر : سمعت الحديث من ابن خميرويه .

قلت : هو أقدم شيخ له .

قال : ودخلت على أبي حاتم بن أبي الفضل قبل ذلك ، وسمعته يملي يقول : حدثنا الحسين بن إدريس ، قال أبو بكر الخطيب : قدم أبو ذر بغداد ، وحدث بها وأنا غائب ، وخرج إلى مكة ، وجاور ، ثم تزوج في العرب ، وأقام بالسروات ، فكان يحج كل عام ، ويحدث ، ثم يرجع إلى أهله ، وكان ثقة ضابطا دينا ، مات بمكة في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة .

وقال الأمين ابن الأكفاني : حدثني أبو علي الحسين بن أبي حريصة .

قال : بلغني أن أبا ذر مات سنة أربع بمكة ، وكان على مذهب مالك ومذهب الأشعري .

قلت : أخذ الكلام ورأي أبي الحسن عن القاضي أبي بكر بن الطيب ، وبث ذلك بمكة ، وحمله عنه المغاربة إلى المغرب ، والأندلس ، وقبل ذلك كانت علماء المغرب لا يدخلون في الكلام ، بل يتقنون الفقه أو الحديث أو العربية ، ولا يخوضون في المعقولات ، وعلى ذلك كان الأصيلي ، وأبو الوليد بن الفرضي ، وأبو عمر الطلمنكي ، ومكي القيسي ، وأبو عمرو الداني ، وأبو عمر بن عبد البر ، والعلماء . [ ص: 558 ]

وقد مدح إسماعيل بن سعيد النحوي أبا ذر بقصيدة .

قال أبو الوليد الباجي في كتاب " اختصار فرق الفقهاء " من تأليفه في ذكر القاضي ابن الباقلاني : لقد أخبرني الشيخ أبو ذر وكان يميل إلى مذهبه ، فسألته : من أين لك هذا ؟ قال : إني كنت ماشيا ببغداد مع الحافظ الدارقطني ، فلقينا أبا بكر بن الطيب فالتزمه الشيخ أبو الحسن ، وقبل وجهه وعينيه ، فلما فارقناه ، قلت له : من هذا الذي صنعت به ما لم أعتقد أنك تصنعه وأنت إمام وقتك ؟ فقال : هذا إمام المسلمين ، والذاب عن الدين ، هذا القاضي أبو بكر محمد بن الطيب . قال أبو ذر : فمن ذلك الوقت تكررت إليه مع أبي ، كل بلد دخلته من بلاد خراسان وغيرها لا يشار فيها إلى أحد من أهل السنة إلا من كان على مذهبه وطريقه .

قلت : هو الذي كان ببغداد يناظر عن السنة وطريقة الحديث بالجدل والبرهان ، وبالحضرة رءوس المعتزلة والرافضة والقدرية وألوان البدع ، ولهم دولة وظهور بالدولة البويهية ، وكان يرد على الكرامية ، وينصر الحنابلة عليهم ، وبينه وبين أهل الحديث عامر ، وإن كانوا قد يختلفون في مسائل دقيقة ، فلهذا عامله الدارقطني بالاحترام ، وقد ألف كتابا سماه : " الإبانة " ، يقول فيه : فإن قيل : فما الدليل على أن لله وجها ويدا ؟ قال : قوله : ويبقى وجه ربك وقوله : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فأثبت تعالى لنفسه وجها ويدا . . . إلى أن قال : فإن قيل : فهل تقولون : إنه في كل مكان ؟ قيل : معاذ الله ! بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه . . . إلى أن قال : وصفات ذاته التي لم يزل [ ص: 559 ] ولا يزال موصوفا بها : الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى . فهذا نص كلامه . وقال نحوه في كتاب " التمهيد " له ، وفي كتاب " الذب عن الأشعري " وقال : قد بينا دين الأمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس ولا تصوير .

قلت : فهذا المنهج هو طريقة السلف ، وهو الذي أوضحه أبو الحسن وأصحابه ، وهو التسليم لنصوص الكتاب والسنة ، وبه قال ابن الباقلاني ، وابن فورك ، والكبار إلى زمن أبي المعالي ، ثم زمن الشيخ أبي حامد ، فوقع اختلاف وألوان ، نسأل الله العفو .

ولأبي ذر الهروي مصنف في الصفات على منوال كتاب أبي بكر البيهقي بحدثنا وأخبرنا .

قال الحسن بن بقي المالقي : حدثني شيخ قال : قيل لأبي ذر : أنت هروي فمن أين تمذهبت بمذهب مالك ورأي أبي الحسن ؟ قال : قدمت بغداد . فذكر نحوا مما تقدم في ابن الطيب . قال : فاقتديت بمذهبه .

قال عبد الغافر بن إسماعيل في " تاريخ نيسابور " : كان أبو ذر زاهدا ، ورعا عالما ، سخيا لا يدخر شيئا ، وصار من كبار مشيخة الحرم ، مشارا إليه في التصوف ، خرج على " الصحيحين " تخريجا حسنا ، وكان حافظا ، كثير الشيوخ .

قلت : له " مستدرك " لطيف في مجلد على " الصحيحين " علقت [ ص: 560 ] منه ، يدل على معرفته ، وله كتاب " السنة " ، وكتاب " الجامع " ، وكتاب " الدعاء " ، وكتاب " فضائل القرآن " ، وكتاب " دلائل النبوة " ، وكتاب " شهادة الزور " ، وكتاب " العيدين " ; الكل بأسانيده ، وله كتاب " فضائل مالك " ، كبير ، وكتاب " الصحيح المسند المخرج على الصحيحين " ، و " مسانيد الموطأ " و " كرامات الأولياء " ، و " المناسك " ، و " الربا " ، و " اليمين الفاجرة " ، وكتاب " مشيخته " ، وأشياء . وهذه التواليف لم أرها ، بل سماها القاضي عياض .

وقال علي بن المفضل الحافظ : روى لنا السلفي شيخنا أحاديث عن أبي بكر الطريثيثي بسماعه من أبي ذر ، وعن أبي شاكر العثماني حديثا واحدا بسماعه منه . وسمعنا من السلفي جميع " صحيح " البخاري بإجازته من أبي مكتوم عيسى بن أبي ذر ، وكان شيخنا أبو عبيد نعمة بن زيادة الله الغفاري سمع الكتاب بمكة من أبي مكتوم ، فسمعت عليه أكثره ، وأجاز لي ما بقي من آخره ، وآخر من حدث عن أبي مكتوم أبو الحسن علي بن حميد بن عمار الأنصاري بمكة ، وأجازه لي .

قال : وقرأت الكتاب كله على شيخنا أبي طالب صالح بن سند بسماعه من الطرطوشي ، عن أبي الوليد الباجي ، عن أبي ذر ، وقرأته على أبي القاسم مخلوف بن علي القروي ، عن أبي الحجاج يوسف بن نادر اللخمي ، عن علي بن سلمان النقاش ، عن أبي ذر ، عن شيوخه الثلاثة .

قال الحافظ أبو علي الغساني : أخبرنا أبو القاسم أحمد بن أبي الوليد [ ص: 561 ] الباجي ، أخبرنا أبي أن الفقيه أبا عمران الفاسي مضى إلى مكة ، وقد كان ، قرأ على أبي ذر شيئا ، فوافق أبا ذر في السراة موضع سكناه ، فقال لخازن كتبه : أخرج إلي من كتب الشيخ ما أنسخه ما دام غائبا ، فإذا حضر ، قرأته عليه . فقال الخازن : لا أجترئ على هذا ، ولكن هذه المفاتيح إن شئت أنت ، فخذ وافعل ذلك . فأخذها ، وأخرج ما أراد ، فسمع أبو ذر بالسراة بذلك ، فركب ، وطرق مكة ، وأخذ كتبه ، وأقسم أن لا يحدثه . فلقد أخبرت أن أبا عمران كان بعد إذا حدث عن أبي ذر ، يوري عن اسمه ، فيقول : أخبرنا أبو عيسى . وبذلك كانت العرب تكنيه باسم ولده .

قلت : قد مات أبو عمران الفاسي قبل أبي ذر ، وكان قد لقي القاضي ابن الباقلاني والكبار ، وما لانزعاج أبي ذر وجه ، والحكاية دالة على زعارة الشيخ والتلميذ رحمهما الله .

وكان ولده أبو مكتوم يحج من السراة ، ويروي ، إلى أن قدم فلان المرابط من أمراء المغرب ، فجاور وسمع " صحيح " البخاري من أبي مكتوم ، وأعطاه ذهبا جيدا ، فأباعه نسخة " الصحيح " ، وذهب بها إلى المغرب . وحج أبو مكتوم في سنة سبع وتسعين وأربعمائة وله بضع وثمانون سنة ، وحج فيها أبو طاهر السلفي ، وأبو بكر السمعاني ، وجمعهم الموقف ، فقال السمعاني للسلفي : اذهب بنا نسمع منه . قال السلفي : فقلت له : دعنا نشتغل بالدعاء ، ونجعله شيخ مكة . قال : فاتفق أنه نفر من منى في النفر الأول مع السرويين وذهب ، وفاتهما الأخذ عنه . قال السلفي : فلامني ابن السمعاني ، فقلت : أنت قد سمعت " الصحيح " مثله [ ص: 562 ] من أبي الخير بن أبي عمران صاحب الكشميهني ، وما كان معه من مروياته سواه .

قلت : ولم يسمع لأبي مكتوم بعد هذا العام بذكر ولا ورخ لنا موته .

وقد أرخ القاضي عياض موت أبي ذر في سنة خمس وثلاثين وأربعمائة . والصواب : في سنة أربع .

قال أبو علي بن سكرة : توفي عقب شوال .

أخبرنا عبد الحافظ بن بدران ، أخبرنا أحمد بن طاوس سنة 617 ، أخبرنا حمزة بن كروس ، أخبرنا نصر بن إبراهيم الفقيه ، أخبرنا أبو ذر عبد بن أحمد كتابة ، أن بشر بن محمد المزني حدثهم إملاء ، حدثنا الحسين بن إدريس ، حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي ، حدثنا الوليد بن الوليد ، حدثنا ابن ثوبان ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول ، فإذا كان أول يوم من شهر رمضان ، هبت ريح من تحت العرش ، فشققت ورق الجنة عن الحور العين . فقلن : يا رب ، اجعل لنا من عبادك أزواجا تقر بهم أعيننا ، وتقر أعينهم بنا .

قال الفقيه نصر : تفرد به الوليد بن الوليد العنسي ، وقد تركوه . [ ص: 563 ]

قلت : وهاه الدارقطني ، وقواه أبو حاتم الرازي .

وفيها أعني : سنة أربع توفي شعيب بن عبد الله بن المنهال بمصر ، وأبو طالب عمر بن إبراهيم الزهري وهارون بن محمد بن أحمد بن هارون في رمضان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث