الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فكأنما قرب بدنة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

139 - الحديث السادس : عن أبي هريرة رضي الله عنه { : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اغتسل يوم الجمعة ، ثم راح فكأنما قرب بدنة . ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة . ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن . ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة . ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة . فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر } .

التالي السابق


الكلام عليه من وجوه :

الأول : اختلف الفقهاء في أن الأفضل التبكير إلى الجمعة أو التهجير . واختار الشافعي التبكير . واختار مالك التهجير واستدل للتبكير بهذا الحديث ، [ ص: 338 ] وحمل الساعات فيه على الأجزاء الزمانية ، التي ينقسم النهار فيها إلى اثني عشر جزءا . والذين اختاروا التهجير يحتاجون إلى الاعتذار عنه . وذلك من وجوه :

أحدها : قد ينازع في أن الساعة حقيقة في هذه الأجزاء في وضع العرب ، واستعمال الشرع ، بناء على أنها تتعلق بحساب ومراجعة آلات تدل عليه ، لم تجر عادة العرب بذلك ، ولا أحال الشرع على اعتبار مثله حوالة لا شك فيها . وإن ثبت ذلك بدليل تجوزوا في لفظ " الساعة " وحملوها على الأجزاء التي تقع فيها المراتب . ولا بد لهم من دليل مؤيد للتأويل على هذا التقدير . وسنذكر منه شيئا .

الوجه الثاني : ما يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم { من اغتسل ، ثم راح } والرواح لا يكون إلا بعد الزوال . فحافظوا على حقيقة " راح " وتجوزوا في لفظ " الساعة " إن ثبت أنها حقيقة في الجزء من اثني عشر . واعترض عليهم في هذا بأن لفظة " راح " يحتمل أن يراد بها مجرد السير في أي وقت كان ، كما أول مالك قوله تعالى { فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } على مجرد السير ، لا على الشد والسرعة هذا معنى قوله . وليس هذا التأويل ببعيد في الاستعمال .

الوجه الثالث : قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات { فالمهجر كالمهدي بدنة } والتهجير : إنما يكون في الهاجرة . ومن خرج عند طلوع الشمس مثلا ، أو بعد طلوع الفجر ، لا يقال له مهجر . واعترض على هذا بأن يكون المهجر من هجر المنزل وتركه في أي وقت كان وهذا بعيد [ ص: 339 ]

الوجه الرابع : يقتضي الحديث : أنه بعد الساعة الخامسة يخرج الإمام ، وتطوي الملائكة الصحف لاستماع الذكر . وخروج الإمام إنما يكون بعد السادسة . وهذا الإشكال إنما ينشأ إذا جعلنا الساعة هي الزمانية . أما إذا جعلنا ذلك عبارة عن ترتيب منازل السابقين فلا يلزم هذا الإشكال .

الوجه الخامس : يقتضي أن تتساوى مراتب الناس في كل ساعة . فكل من أتى في الأولى كان كالمقرب بدنة . وكل من أتى في الثانية كان كمن قرب بقرة ، مع أن الدليل يقتضي أن السابق لا يساويه اللاحق . وقد جاء في الحديث { ثم الذي يليه ، ثم الذي يليه } ويمكن أن يقال في هذا : إن التفاوت يرجع إلى الصفات . واعلم أن بعض هذه الوجوه لا بأس به إلا أنه يرد على المذهب الآخر : أنا إذا خرجنا على الساعات الزمانية لم يبق لنا مرد ينقسم فيه الحال إلى خمس مراتب بل يقتضي أن يتفاوت الفضل بحسب تفاوت السبق في الإتيان إلى الجمعة . وذلك يتأتى منه مراتب كثيرة جدا . فإن تبين بدليل أن يكون لنا مرد لا يكون فيه هذا التفاوت الشديد والكثرة في العدد ، فقد اندفع هذا الإشكال . فإن قلت : المراد أن يجعل الوقت من التهجير مقسما على خمسة أجزاء . ويكون ذلك مرادا . قلت لا يصح ذلك لوجهين :

أحدهما : أن الرجوع إلى ما تقرر من تقسيم الساعات إلى اثني عشر أولى ، إذا كان ولا بد من الحوالة على أمر خفي على الجمهور . فإن هذه القسمة لم تعرف لأصحاب هذا العلم ، ولا استعملت على ما استعمله الجمهور . وإنما يندفع بها لو ثبت ذلك الإشكال الذي مضى ، من أن خروج الإمام ليس عقيب الخامسة ، ولا حضور الملائكة لاستماع الذكر .

الثاني : أن القائلين بأن التهجير أفضل لا يقولون بذلك على هذه القسمة . فإن القائل قائلان ، قائل يقول : بترتيب منازل السابقين على غير تقسيم هذه الأجزاء الخمسة . وقائل يقول : تنقسم الأجزاء ستة إلى الزوال . فالقول بتقسيم هذا الوقت إلى خمسة إلى الزوال : يكون مخالفا للكل . وإن كان قد قال به قائل فليكتف بالوجه الأول .

الوجه الثاني من الكلام على الحديث : أنه يقتضي أن البيضة تقرب . وقد ورد في حديث آخر { كالمهدي بدنة ، وكالمهدي بقرة } - إلى آخره فيدل أن هذا التقريب هو الهدي ، وينشأ من هذا : أن اسم " الهدي " هل ينطلق على مثل هذا ؟ [ ص: 340 ] وأن من التزم هديا هل يكفيه مثل هذا ، أم لا ؟ وقد قال به بعض أصحاب الشافعي . وهذا أقرب إلى أن يؤخذ من لفظ ذلك الحديث الذي فيه لفظ " الهدي " من أن يؤخذ من هذا الحديث . ولكن لما كان ذلك تفسيرا لهذا ، ويبين المراد منه ذكرناه ههنا .

الوجه الثالث : لفظ " البدنة " في هذا الحديث ظاهرها أنها منطلقة على الإبل مخصوصة بها ، لأنها قوبلت بالبقر وبالكبش عند الإطلاق ، وقسم الشيء لا يكون قسيما ومقابلا له . وقيل : إن اسم " البدنة " ينطلق على الإبل والبقر والغنم لكن الاستعمال في الإبل أغلب . نقله بعض الفقهاء . وينبني على هذا : ما إذا قال : لله علي أن أضحي ببدنة ، ولم يقيد بالإبل لفظا ولا نية ، وكانت الإبل موجودة فهل تتعين ؟ فيه وجهان للشافعية :

أحدهما : التعين لأن لفظ " البدنة " مخصوصة بالإبل ، أو غالبة فيه . فلا يعدل عنه . والثاني : أنه يقوم مقامها بقرة أو سبع من الغنم ، حملا على ما علم من الشرع من إقامتها مقامها . والأول : أقرب . وإن لم توجد الإبل ، فقيل : يصبر إلى أن توجد ، وقيل : يقوم مقامها البقرة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث