الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
[ ص: 111 ] الرابع : أن يقال : إما أن يكون عالما بصدق الرسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ، وإما أن لا يكون عالما بذلك ، فإن لم يكن عالما امتنع التعارض عنده ; لأن المعقول إن كان معلوما لم يتعارض معلوم ومجهول ، وإن لم يكن معلوما لم يتعارض مجهولان ، وإن كان عالما بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم امتنع ألا يعلم بثبوت ما أخبر به في نفس الأمر ، إذا علم أنه أخبر به وهو عالم بصدقه لزم ضرورة أن يكون عالما بثبوت مخبره ، وإذا كان كذلك استحال أن يقع عنده دليل يعارض ما أخبر به ، ويكون ذلك المعارض واجب التقديم ، إذ مضمون ذلك أن يقال : لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به ; لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت من أن المخبر صادق ، وحقيقة ذلك ، لا تصدقه في هذا الخبر ; لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه ، فيقول : وعدم تصديقي له فيه هو عين اللازم المحذور ، فإذا قيل لي : لا تصدقه لئلا يلزم عدم تصديقه كان كما لو قيل : كذبه لئلا يلزم تكذيبه ، فهكذا حال من أمر الناس أن لا يصدقوا الرسول فيما علمه لأنه أخبر به بعد علمهم أنه رسول لئلا يفضي تصديقهم إلى عدم تصديقه ، يوضحه :

الوجه الخامس : وهو أن المنهي عنه من قبول هذا الخبر وتصديقه فيه هو عين المحذور ، فيكون واقعا في المنهي عنه سواء أطاع أو عصى ، ويكون تاركا للمأمورية سواء أطاع أو عصى ، ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير الطاعة أعجل وأسبق منه على تقدير المعصية ، والمنهي عنه على هذا التقدير هو التصديق ، والمأمور به هو التكذيب ، وحينئذ فلا يجوز النهي عنه سواء كان محذورا أو لم يكن ، فإن لم يكن محذورا لم يجز أن ينهى عنه ، وإذا كان محذورا فلا بد منه على التقديرين .

التالي السابق


الخدمات العلمية