الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ميراث الجد

وأجمع العلماء على أن الأب يحجب الجد وأنه يقوم مقام الأب عند عدم الأب مع البنين ، وأنه عاصب مع ذوي الفرائض .

واختلفوا هل يقوم مقام الأب في حجب الإخوة الشقائق ، أو حجب الإخوة للأب ؟ فذهب ابن عباس وأبو بكر - رضي الله عنهما وجماعة إلى أنه يحجبهم ، وبه قال أبو حنيفة ، وأبو ثور ، والمزني ، وابن سريج من أصحاب الشافعي ، وداود وجماعة . واتفق علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وزيد بن ثابت ، وابن مسعود على توريث الإخوة مع الجد ، إلا أنهم اختلفوا في كيفية ذلك على ما أقوله بعد . [ ص: 677 ] وعمدة من جعل الجد بمنزلة الأب اتفاقهما في المعنى ( أعني من قبل أن كليهما أب للميت ) ومن اتفاقهما في كثير من الأحكام التي أجمعوا على اتفاقهما فيها حتى إنه قد روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال : أما يتقي الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا ، ولا يجعل أب الأب أبا . وقد أجمعوا على أنه مثله في أحكام أخر سوى الفروض ، منها أن شهادته لحفيده كشهادة الأب وأن الجد يعتق على حفيده كما يعتق الأب على الابن ، وأنه لا يقتص له من جد كما لا يقتص له من أب .

وعمدة من ورث الأخ مع الجد أن الأخ أقرب إلى الميت من الجد ; لأن الجد أبو أبي الميت ، والأخ ابن أبي الميت ، والابن أقرب من الأب . وأيضا فما أجمعوا عليه من أن ابن الأخ يقدم على العم ، وهو يدلي بالأب ، والعم يدلي بالجد .

فسبب الخلاف تعارض القياس في هذا الباب .

فإن قيل : فأي القياسين أرجح بحسب النظر الشرعي ؟ قلنا : قياس من ساوى بين الأب والجد ، فإن الجد أب في المرتبة الثانية أو الثالثة ، كما أن الابن ابن في المرتبة الثانية أو الثالثة ، وإذا لم يحجب الابن الجد وهو يحجب الإخوة ، فالجد يجب أن يحجب من يحجب الابن ، والأخ ليس بأصل للميت ولا فرع ، وإنما هو مشارك له في الأصل ، والأصل أحق بالشيء من المشارك له في الأصل ، والجد ليس هو أصلا للميت من قبل الأب بل هو أصل أصله ، والأخ يرث من قبل أنه فرع لأصل الميت ، فالذي هو أصل لأصله أولى من الذي هو فرع لأصله ، ولذلك لا معنى لقول من قال إن الأخ يدلي بالبنوة ، والجد يدلي بالأبوة ، فإن الأخ ليس ابنا للميت وإنما هو ابن أبيه ، والجد أبو الميت ، والبنوة إنما هي أقوى في الميراث من الأبوة في الشخص الواحد بعينه ( أعني : الموروث ) . وأما البنوة التي تكون لأب موروث ، فليس يلزم أن تكون في حق الموروث أقوى من الأبوة التي تكون لأب الموروث ; لأن الأبوة التي لأب الموروث هي أبوة ما للموروث ( أعني : بعيدة ) ، وليس البنوة التي لأب الموروث بنوة ما للموروث لا قريبة ولا بعيدة .

فمن قال الأخ أحق من الجد ; لأن الأخ يدلي بالشيء الذي من قبله كان الميراث بالبنوة وهو الأب ، والجد يدلي بالأبوة هو قول غالط مخيل ، لأن الجد أب ما ، وليس الأخ ابنا ما .

وبالجملة الأخ لاحق من لواحق الميت ، وكأنه أمر عارض والجد سبب من أسبابه ، والسبب أملك للشيء من لاحقه .

واختلف الذين ورثوا الجد مع الإخوة في كيفية ذلك . فتحصيل مذهب زيد في ذلك أنه لا يخلو أن يكون معه سوى الإخوة ذو فرض مسمى أو لا يكون .

فإن لم يكن معه ذو فرض مسمى أعطي الأفضل له من اثنين ، إما ثلث المال ، وإما أن يكون كواحد من الإخوة الذكور ، وسواء كان الإخوة ذكرانا أو إناثا أو الأمرين جميعا فهو مع الأخ الواحد يقاسمه المال ، وكذلك مع الاثنين ومع الثلاثة والأربعة يأخذ الثلث ، وهو مع الأخت الواحدة إلى الأربع يقاسمهن للذكر مثل حظ الأنثيين ، ومع الخمس أخوات له الثلث ; لأنه أفضل له من المقاسمة ، فهذه هي حاله مع الإخوة فقط دون غيرهم .

وأما إن كان معهم ذو فرض مسمى فإنه يبدأ بأهل الفروض فيأخذون فروضهم ، فما بقي أعطي الأفضل [ ص: 678 ] له من ثلاث : إما ثلث ما بقي بعد حظوظ ذوي الفرائض ، وإما أن يكون بمنزلة ذكر من الإخوة ، وإما أن يعطى السدس من رأس المال لا ينقص منه ، ثم ما بقي يكون للإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين في الأكدرية على ما سنذكر مذهبه فيها مع سائر مذاهب العلماء .

وأما علي - رضي الله عنه - فكان يعطي الجد الأحظى له من السدس أو المقاسمة ، وسواء كان مع الجد والإخوة غيرهم من ذوي الفرائض أو لم يكن ، وإنما لم ينقصه من السدس شيئا ; لأنهم لما أجمعوا أن الأبناء لا ينقصونه منه شيئا كان أحرى أن لا ينقصه الإخوة .

وعمدة قول زيد أنه لما كان يحجب الإخوة للأم فلم يحجب عما يجب لهم وهو الثلث ، وبقول زيد قال مالك ، والشافعي ، والثوري ، وجماعة ، وبقول علي - رضي الله عنه - قال أبو حنيفة .

وأما الفريضة التي تعرف بالأكدرية وهي امرأة توفيت وتركت زوجا وأما وأختا شقيقة وجدا ; فإن العلماء اختلفوا فيها ، فكان عمر - رضي الله عنه - وابن مسعود يعطيان للزوج النصف وللأم السدس وللأخت النصف وللجد السدس ، وذلك على جهة العول .

وكان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وزيد يقولان للزوج النصف وللأم الثلث وللأخت النصف وللجد السدس فريضة ، إلا أن زيدا يجمع سهم الأخت والجد ، فيقسم ذلك بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، وزعم بعضهم أن هذا ليس من قولزيد ، وضعف الجميع التشريك الذي قال به زيد في هذه الفريضة ، وبقول زيد قال مالك .

وقيل إنما سميت الأكدرية لتكدر قول زيد فيها ، وهذا كله على مذهب من يرى العول ، وبالعول قال جمهور الصحابة وفقهاء الأمصار ، إلا ابن عباس فإنه روي عنه أنه قال : أعال الفرائض عمر بن الخطاب ، وايم الله لو قدم من قدم الله وأخر من أخر الله ما عالت فريضة ، وقيل له : وأيها قدم الله ، وأيها أخر الله ؟ قال : كل فريضة لم يهبطها الله عز وجل عن موجبها إلا إلى فريضة أخرى فهي ما قدم الله ، وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخر الله فالأول مثل الزوجة والأم ، والمتأخر مثل الأخوات والبنات ، قال : فإذا اجتمع الصنفان بدئ من قدم الله ، فإن بقي شيء فلمن أخر الله ، وإلا فلا شيء له ، قيل له : فهلا قلت هذا القول لعمر : قال : هبته .

وذهب زيد إلى أنه إذا كان مع الجد والإخوة الشقائق إخوة لأب ، أن الإخوة الشقائق يعادون الجد بالإخوة للأب ، فيمنعونه بهم كثرة الميراث ، ولا يرثون مع الإخوة الشقائق شيئا إلا أن يكون الشقائق أختا واحدة ، فإنها تعادي الجد بأخوتها للأب ما بينهما ، وبين أن تستكمل فريضتها - وهي النصف - ، وإن كان فيما يحاز لها ولإخوتها لأبيها فضل عن نصف رأس المال كله ، فهو لإخوتها لأبيها للذكر مثل حظ الأنثيين ; فإن لم يفضل شيء على النصف فلا ميراث لهم .

فأما علي - رضي الله عنه - فكان لا يلتفت هنا للإخوة للأب للإجماع ، على أن الإخوة الشقائق يحجبونهم ; ولأن هذا الفعل أيضا مخالف للأصول ، ( أعني : أن يحتسب بمن لا يرث ) .

واختلف الصحابة - رضي الله عنه من هذا الباب في الفريضة التي تدعى الخرقاء ، ( وهي : أم وأخت وجد ) على خمسة أقوال .

فذهب أبو بكر - رضي الله عنه - وابن عباس إلى أن للأم الثلث والباقي للجد وحجبوا به الأخت ، وهذا [ ص: 679 ] على رأيهم في إقامة الجد مقام الأب .

وذهب علي - رضي الله عنه - إلى أن للأم الثلث وللأخت النصف وما بقي للجد .

وذهب عثمان إلى أن للأم الثلث وللأخت الثلث وللجد الثلث .

وذهب ابن مسعود إلى أن للأخت النصف وللجد الثلث وللأم السدس ، وكان يقول : معاذ الله أن أفضل أما على جد .

وذهب زيد إلى أن للأم الثلث وما بقي بين الجد والأخت للذكر مثل حظ الأنثيين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث