الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

ثم قال تعالى : ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا ) إلخ أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله ، وتجتثوا دليله من أصله ، وما أنتم بفاعلين ؛ لأن هذا ليس في طاقة المخلوقين ، فاتقوا النار التي أعدت لأمثالكم من الكافرين ، الذين يجحدون الحق بعد البرهان المبين ، وقوله تعالى : ( ولن تفعلوا ) جملة معترضة بين الشرط وجوابه وهي مقصودة هنا في ذاتها لما فيها من تقوية الدليل وتقرير عجزهم بما يثير حميتهم ويغريهم بتكلف المعارضة ، ولا يمكن أن يصدر مثل هذا النفي الاستقبالي المؤكد أو المؤبد من عاقل كالنبي - عليه الصلاة والسلام - في أمر ممكن عقلا لولا أن أنطقه الله الذي خصه بالوحي ، وهو الذي يعلم غيب السماوات والأرض ، بأنه غير ممكن لأحد .

وعبر عن نفي وقوع الفعل منهم بــ " إن " التي يعبر بها عما يشك في شرطه ، أو يجزم المتكلم بعدم وقوعه ، ومقتضى القاعدة أن يكون الشرط هنا بــ " إذا " لأن المحقق أنهم لن يفعلوا كما صرحت به الآية ، مع القطع بأن الله تعالى منزه عن الشك ، ولكن القواعد التي تذكر في علم البلاغة قد ينظر فيها إلى حال المخاطب لا حال المتكلم ، والمعول عليه هو ما يقصد المتكلم أن يبلغه من نفس المخاطب ويودعه في ذهنه ، فهاهنا يخاطب الله المرتابين ، والذين هم في جحودهم وعنادهم كالواثقين الموقنين ، خطابا يؤذن أوله بأن عدم الإتيان بما تحداهم به مشكوك فيه ، ولازمه أن المعارضة جائزة منهم ، وداخلة في حدود إمكانهم ، خاطبهم بهذا مراعاة لظاهر حالهم التي تومئ إلى القدرة على المعارضة ، وتشير إلى إمكان الإتيان بالسورة ، ثم كر على هذا الإيذان [ ص: 163 ] بل الإيهام بالنقض بلا تلبث ولا تريث ، وأبطل مراعاة الظاهر بل حولها إلى تهكم بالنفي المؤكد الذي ذهب بذلك الذماء ، واستبدل اليأس بالرجاء ، كأنه يقول : إن إعراضكم عن الإيمان ، بعد سماع هذا القرآن ، الذي أفاض العلوم على أمي لم يترب في معاهد العلم ، وأظهر معجزات البلاغة على من لم يكن يعرف منه التبريز بها في نثر ولا نظم ، يدل على أنكم تدعون استطاعة الإتيان بسورة من مثله وما أنتم بمستطيعين ، ولو استعنتم عليه بجميع العالمين ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) .

كان يتحداهم بمثل هذه الآيات الصادعة التي تثير النخوة ، وتهيج الغيرة مع علو كعبهم في البلاغة ورسوخ عرقهم في أساليبها وفنونها ، في عصر ارتقت فيه دولة الكلام ارتقاء لم تعرف مثله الأيام ، حتى كانوا يتبارون فيه ويتنافسون ، ويباهون ويفاخرون ، ويعقدون لذلك المجامع ويقيمون الأسواق ، ثم يطيرون بأخبارها في الآفاق ، ومع هذا لم يتصد أحد منهم للمعارضة ، ولم ينهض بليغ من مصاقعهم إلى المناهضة ( أقول ) بل تواتر عنهم ما كان ( ( من الإعراض عن المعارضة بأسلات ألسنتهم ، والفزع إلى المقارعة بأسنة أسلهم ) ) وسفك دمائهم بأسيافهم ، وتخريب بيوتهم بأيديهم ، أفلم يكن الأجدر بمداره قريش وفحولها ، غرر بني معد وحجولها أن يجتمعوا على تأليف سورة ببلاغتهم التي كانوا يتبارون فيها بسوق عكاظ وغيرها من مجامع مفاخراتهم ، ويؤثروا هذا على سوق الخميس بعد الخميس من صناديدهم إلى يثرب لقتال محمد - صلى الله عليه وسلم - ومن آمن به " رضي الله عنه " في بدر وأحد ووراء الخندق لو كان ذلك مستطاعا لهم ؟ ومثل هذا يقال في اليهود الذين كانوا بجواره في المدينة فأمنهم على دينهم وأموالهم وأعراضهم ، فأبوا إلا إعانة مشركي قومه عليه حتى اضطروه إلى قتالهم ، وإخراج بقية السيف من ديارهم ، فلا شك أن الله تعالى قد رفع هذا الكلام إلى درجة لا يرتقي البشر إليها ، وهو - تعالى جده - العالم بمبلغ استطاعتهم ، والمالك لأعنة قدرتهم .

قال المتكلمون في بلاغة القرآن : إننا نجده لم يلتزم شيئا مما كانوا يلتزمون بسجعهم وإرسالهم ورجزهم وأشعارهم ، بل جاء على النمط الفطري ، والأسلوب العادي الذي يتسنى لكل إنسان أن يحذو مثاله ، ولكنهم عجزوا فلم يأتوا ولن يأتي غيرهم بسورة من مثله ، ثم نلاحظ أيضا : أن القرآن بهذا الأسلوب قد تحدى به كل من بلغه من العرب ، على تفرق ديارهم ، وتنائي أقطارهم ، وأرسل الرسول إلى الأطراف يدعو الناس إلى الإيمان به ، فعمت الدعوة [ ص: 164 ] وبلغت مبلغها ولم ينبر أحد للمعارضة كما قلنا ، ألا يدل هذا على نهاية العجز وعمومه ، وإحساس كل بليغ بالضعيف في نفسه عن الانبراء لمباراته ، والتسامي لمحاكاته ، وعلى أن الله تعالى جعله فوق القدر ، خارقا لما يعتاد من كسب البشر ؟ بلى ، وإن لهذا الإعجاز وجهين : أحدهما : كونه معجزا بذاته ؛ لأنه في مرتبة لا يمكن لبشر أن يرتقي إليها ، وثانيهما : أنه جاء على لسان أمي لبث أربعين سنة لم يوصف بالبلاغة ، ولم يؤثر عنه شيء من العلم ، وقد ذكروا وجوها أخرى للإعجاز ينطوي عليها القرآن ، منها قوله هنا : ( ولن تفعلوا ) بناء على أن المخبر هو الله تعالى ، عالم الغيب وما يكون في المستقبل ، ومن فائدة هذا القول في عهد نزوله وقبل ظهور تأويله : أن قرعه لسمع من لا يؤمن بالغيب يقتضي أشد التحريض على المعارضة التي يظهر بها العجز ، ويقوم البرهان بالإعجاز المقتضي للإيمان ، لولا مكابرة المستكبرين لوجدانهم ، وجحود ألسنتهم لما استيقنته قلوبهم ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) ( 27 : 14 ) وأما من يؤمن بالغيب ويعتقد الخوارق فما عليه إلا أن ينتهي إلى عجزه ويبادر إلى الإيمان به وبرسالة من أنزل عليه ، للعلم القطعي بأنه لا يمكن لعاقل أن يجزم بذلك إلا إذا كان مطلعا على الغيب ، فهو خبر عن الله - عز وجل - .

قال تعالى مخاطبا للفريقين بعد تسجيل العجز عليهم : ( فاتقوا النار ) وهي موطن عذاب الآخرة ، نؤمن بها ، ولأنها من عالم الغيب الذي أخبر الله تعالى به ولا نبحث عن حقيقتها ، ولا نقول إنها شبيهة بنار الدنيا ، ولا إنها غير شبيهة بها ، وإنما نثبت لها جميع الأوصاف التي وصفها الله تعالى بها كقوله : ( التي وقودها الناس والحجارة ) المراد بالحجارة الأصنام كما في قوله تعالى : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) ولا يسبقن إلى الفهم أنها لا توجد إلا بوجود الناس والحجارة إذ يصح أن يكونوا وقودها بعد وجودها والوقود بالفتح ما توقد به النار وبالضم مصدر ، وقد سمع المصدر بالفتح أيضا .

وقال بعضهم في تفسير " وقودها " إن الناس بأعمالهم وعبادة بعضهم بعضا وانحرافهم عن صراط الحق المستقيم - والحجارة بعبادة الناس لها - سببان في إيجاد النار وإعدادها لهم ، فبذلك كانوا كالوقود الذي تضرم به النار ، وفي الكلام تقديم السبب وهو الناس والحجارة على المسبب ، وهو قوله تعالى : ( أعدت للكافرين ) وبهذا التفسير يظهر الحصر في جملة ( وقودها الناس والحجارة ) فإنها اسمية معرفة الطرفين ، وخص الحجارة بالذكر ؛ لأنها أظهر المعبودات عند العرب .

والمراد بالكافرين : الذين لا يجيبون دعوة الأنبياء - عليهم السلام - ، والذين ينحرفون عن أصولها بعد الأخذ بها لبدع يبتدعونها ، وتقاليد يحدثونها ، وتأويلات يلفقونها ، فهؤلاء هم الذين أعدت وهيئت النار لهم ، لأنهم الذين يستحقون الخلود فيها ، ومن وردها ورودا وانتهى إلى موطن آخر فذلك الموطن هو الذي أعد له ، وليس بعد الدنيا موطن إلا الجنة ، جعلنا الله من أهلها بالتوفيق للتقوى ، أو النار ، نعوذ بالله منها ومما يقرب إليها من قول وعمل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث