الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار )

قوله تعالى : ( ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار )

واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال : ( ومن يضلل الله فما له من هاد ) ذكر لهذا مثلا ، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك والشبهة ، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل ، وهذا يدل على أن من أضله الله ( فما له من هاد ) وفي الآية مسائل : [ ص: 55 ] المسألة الأولى : قيل : إن يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ونقل صاحب "الكشاف" أنه يوسف بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب أقام فيهم نيفا وعشرين سنة ، وقيل : إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حيا إلى زمانه ، وقيل : فرعون آخر ، والمقصود من الكل شيء واحد وهو أن يوسف جاء قومه بالبينات ، وفي المراد بها قولان ; الأول : أن المراد بالبينات قوله : ( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) [يوسف : 39] ، والثاني : المراد بها المعجزات ، وهذا أولى ، ثم إنهم بقوا في نبوته شاكين مرتابين ، ولم ينتفعوا البتة بتلك البينات ، فلما مات قالوا : إنه ( لن يبعث الله من بعده رسولا ) وإنما حكموا بهذا الحكم على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان ، بل إنما ذكروا ذلك ليكون ذلك أساسا لهم في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعد ذلك ، وليس في قولهم : ( لن يبعث الله من بعده رسولا ) لأجل تصديق رسالة يوسف وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها ، وإنما هو تكذيب لرسالة من هو بعده مضموما إلى تكذيب رسالته ، ثم قال : ( كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ) أي مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه ، قال الكعبي : هذه الآية حجة لأهل القدر ; لأنه تعالى بين كفرهم ، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم مسرفين مرتابين ، فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين فإن الله تعالى لا يضله .

ثم بين تعالى ما لأجله بقوا في ذلك الشك والإسراف فقال : ( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان ) أي بغير حجة ، بل إما بناء على التقليد المجرد ، وإما بناء على شبهات خسيسة ( كبر مقتا عند الله ) والمقت هو أن يبلغ المرء في القوم مبلغا عظيما فيمقته الله ويبغضه ويظهر خزيه وتعسه .

وفيه مسائل :

المسألة الأولى : في ذمه لهم بأنهم يجادلون بغير سلطان ، دلالة على أن الجدال بالحجة حسن وحق ، وفيه إبطال للتقليد .

المسألة الثانية : قال القاضي : مقت الله إياهم يدل على أن فعلهم ليس بخلق الله ; لأن كونه فاعلا للفعل وماقتا له محال .

المسألة الثالثة : الآية تدل على أنه يجوز وصف الله تعالى بأنه قد يمقت بعض عباده إلا أن ذلك صفة واجبة التأويل في حق الله كالغضب والحياء والتعجب ، والله أعلم . ثم بين أن هذا المقت كما حصل عند الله فكذلك قد حصل عند الذين آمنوا .

ثم قال : ( كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وأبو عمرو وقتيبة عن الكسائي "قلب" منونا "متكبر" صفة للقلب والباقون بغير تنوين على إضافة القلب إلى المتكبر ، قال أبو عبيد : الاختيار الإضافة ؛ لوجوه ; الأول : أن عبد الله قرأ ( على كل قلب متكبر ) وهو شاهد لهذه القراءة . الثاني : أن وصف الإنسان بالتكبر والجبروت أولى من وصف القلب بهما ، وأما الذين قرءوا بالتنوين فقالوا : إن الكبر قد أضيف إلى القلب في قوله : ( إن في صدورهم إلا كبر ) [غافر : 56] وقال تعالى : ( فإنه آثم قلبه ) [البقرة : 283] وأيضا فيمكن أن يكون ذلك على حذف المضاف أي على كل ذي قلب متكبر ، وأيضا قال قوم : الإنسان الحقيقي هو القلب . وهذا البحث طويل وقد ذكرناه في تفسير [ ص: 56 ] قوله : ( نزل به الروح الأمين على قلبك ) [الشعراء : 193] قالوا : ومن أضاف فلا بد له من تقدير حذف ، والتقدير : يطبع الله على قلب كل متكبر .

المسألة الثانية : الكلام في الطبع والرين والقسوة والغشاوة قد سبق في هذا الكتاب بالاستقصاء ، وأصحابنا يقولون : قوله ( كذلك يطبع الله ) يدل على أن الكل من الله ، والمعتزلة يقولون : إن قوله ( كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار ) يدل على أن هذا الطبع إنما حصل من الله ; لأنه كان في نفسه متكبرا جبارا ، وعند هذا تصير الآية حجة لكل واحد من هذين الفريقين من وجه ، وعليه من وجه آخر ، والقول الذي يخرج عليه الوجهان ما ذهبنا إليه وهو أنه تعالى يخلق دواعي الكبر والرياسة في القلب ، فتصير تلك الدواعي مانعة من حصول ما يدعون إلى الطاعة والانقياد لأمر الله ، فيكون القول بالقضاء والقدر صحيحا ، ويكون تعليل الصد عن الدين بكونه متجبرا متكبرا باقيا ، فثبت أن هذا المذهب الذي اخترناه في القضاء والقدر هو الذي ينطبق لفظ القرآن من أوله إلى آخره عليه .

المسألة الثالثة : لا بد من بيان الفرق بين المتكبر والجبار ، قال مقاتل : "متكبر" عن قبول التوحيد "جبار" في غير حق ، وأقول : كمال السعادة في أمرين : التعظيم لأمر الله ، والشفقة على خلق الله ، فعلى قول مقاتل التكبر كالمضاد للتعظيم لأمر الله ، والجبروت كالمضاد للشفقة على خلق الله . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث