الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ الفصل الثاني ]

2269 - وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ؟ وأرفعها في درجاتكم ؟ وخير لكم من إنفاق الذهب والورق ؟ وخير من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم " قالوا : بلى . قال " ذكر الله )

رواه مالك ، وأحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ، إلا أن مالكا وقفه على أبي الدرداء .

التالي السابق


[ الفصل الثاني ]

2269 - ( عن أبي الدرداء ) : قال الطيبي : رجل أدرد ليس في فيه سن ( قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا أنبئكم ) : أي : ألا أخبركم ( بخير أعمالكم ) : أي : أفضلها ( وأزكاها ) : أي : أنماها وأنقاها ( عند مليككم ؟ ) : أي : في حكم ربكم ( وأرفعها في درجاتكم ؟ وخير لكم من إنفاق الذهب والورق ؟ ) : بكسر الراء ، ويسكن أي : الفضة ، في مرضاة الله ( وخير لكم من أن تلقوا عدوكم ) : أي : خير من بذل الأموال والأنفس في سبيل الله بأن تجاهدوا الكفار ( تضربوا أعناقهم ) : أي : أعناق بعضهم ( ويضربوا ) : أي : بعضهم ( أعناقكم ؟ ) وهذا تصوير لأعلى مراتب المجاهدة . قال الطيبي : قوله : " وخير " مجرور عطفا على خير أعمالكم من حيث المعنى ؛ لأن المعنى ألا أنبئكم بما هو خير لكم من بذل أموالكم وأنفسكم في سبيل الله . وقال ابن حجر : عطف على خير أعمالكم عطف خاص على عام ؛ لأن الأول خير الأعمال مطلقا ، وهذا خير من بذل الأموال والأنفس ، أو عطف مغاير بأن يراد بالأعمال الأعمال اللسانية ، فيكون ضد هذا ، لأن بذل الأموال والنفوس من الأعمال الفعلية اهـ . ومراده بضده مغايره .

( قالوا : بلى . قال : ذكر الله ) : قال ابن الملك : المراد الذكر القلبي ، فإنه هو الذي له المنزلة الزائدة على بذل الأموال والأنفس ؛ لأنه عمل نفسي ، وفعل القلب الذي هو أشق من عمل الجوارح ، بل هو الجهاد الأكبر ، لا الذكر باللسان المشتمل على صياح وانزعاج وشدة تحريك العنق واعوجاج كما يفعله بعض الناس زاعمين أن ذلك جالب للحضور ، وموجب للسرور ، - حاشا لله - بل سبب الغيبة والغرور اهـ .

ولا شك أن الذكر يطلق على الجناني وعلى اللساني ، وأن المدار على القلب الذي يتقلب بسبب ذكر المذكور من الغيبة إلى الحضور ، وإنما اللفظي وسيلة ، ولحصول الوصول وصلة ، واختلف المشايخ في أيهما أفضل بالنسبة إلى المبتدئ ؟ وإن كان ينتهي المنتهي أيضا إلى الذكر القلبي ، وأما الأمور البدعية والأغراض الدنيوية ، فخارجة عن الأنواع الذكرية ، ولا ريب أن الجمع بينهما أكمل ، وفي تحصيل المثوبة أفضل . والظاهر أنه المراد هنا ؛ لأن المجاهد المذكور والمقاتل المشكور لا يخلو عن الذكر القلبي ، اللهم إلا أن يقال : المراد أن ذكره القلبي الذي هو الجهاد الباطني أفضل من مضاربته التي هي الجهاد الظاهري ، فيكون الحديث نظير قوله - صلى الله عليه وسلم - : " لو أن رجلا في حجره دراهم يقسمها وآخر يذكر كان الذاكر لله أفضل " كما رواه الطبراني عن أبي موسى ، فاندفع ما تحير فيه ابن حجر حيث قال : وكون الذكر الشامل للقرآن خيرا من بقية الأعمال اللسانية ظاهر ، ومن إنفاق الأموال وبذل النفوس لله مشكل إذ قضية كلام أئمتنا العكس اهـ .

ولدفع هذا الإشكال وما يترتب عليه من المقام . قال شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام في قواعده : هذا الحديث مما يدل على أن الثواب لا يترتب على قدر النصب في جميع العبادات ، بل قد يأجر الله تعالى على قليل الأعمال أكثر مما يأجر على كثيرها ، فإذا الثواب يترتب على تفاوت الرتب في الشرف اهـ . وهو القول الحق .

[ ص: 1552 ] وأما قول ابن حجر : إنه جرى على الأخذ بظاهر الحديث مع قطع النص عن مقتضى كلام الأئمة ، فهو تقليد مطلق ، ثم أغرب وقال : الإنفاق يقطع داء البخل ، وبذل النفس يقطع داء الجبن ، وإدمان الذكر لا يقطع شيئا من هذين الداءين اللذين لا أخبث منهما ، بل لا يجدي إلا حد المقصود اهـ . وهو مبني على غفلته عن معنى الذكر وحقيقته ، فإنه لا يرتفع جميع العلل الظاهرة والباطنة إلا بالذكر المؤثر في القلب الذي هو سلطان الأعضاء ، ومنه ينشأ بذل الأموال والأنفس وغيرها ، وبدونه إنما هو خسارة مال وضياع نفس لا فائدة فيهما ، حيث لا تقرب بهما .

ولهذا قال شارح : ولعل الخيرية والأرفعية في الذكر لأجل أن سائر العبادات من إنفاق الذهب والفضة ، ومن ملاقاة العدو والمقاتلة معهم ، إنما هي وسائل ووسائط يتقرب العباد بها إلى الله تعالى ، فاذكروني أذكركم وأنا جليس من ذكرني وأنا معه إذا ذكرني ، الحديث . وغير ذلك ، ولذا قال الغزالي بعدما دخل في مقام الذكر : ضيعت قطعة من العمر في الوجيز والوسيط والبسيط ، بل يعد العارفون الغفلة من أنواع الردة ولو خطرة على سبيل المبالغة كما قال :


ولو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوا حكمت بردتي



ثم لا ارتياب أن أفضل الذكر قول لا إله إلا الله ، وهي القاعدة التي بني عليها أركان الدين ، وهي الكلمة العليا ، وهي القطب الذي يدور عليها رحى الإسلام ، وهي الشعبة التي أعلى شعب الإيمان . قال الطيبي : بل هو الكل وليس غيره قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ، إذ الوحي مقصور على استئثار الله تعالى بالوحدانية ، لأن المقصود الأعظم من الوحي هو التوحيد وسائر التكاليف متفرع عليه ، ثم قال : ولأمر ما تجد العارفين وأرباب القلوب واليقين يستأثرونها على سائر الأذكار ، لما رأوا فيها خواص ليس الطريق إلى معرفتها إلا الوجدان والذوق ا هـ .

ومما يوضح لك ذلك أن السيد علي بن ميمون المغربي لما تصرف في الشيخ علوان الحموي ، وهو كان مفتيا مدرسا ، فنهاه عن الكل ، وأشغله بالذكر فطعن الجهال فيه بأنه أضل شيخ الإسلام ، ومنعه عن نفع الأنام ، ثم بلغ السيد أنه يقرأ القرآن أحيانا ، فمنعه منه ، فقال الناس : إنه زنديق يمنع من تلاوة القرآن الذي هو قطب الإيمان ، وغوث الإيقان ، لكن طاوعه المريد إلى أن حصل له المزيد ، وانجلت مرآة قلبه ، وحصل له مشاهدة ربه ، فأذن له في قراءة القرآن ، فلما فتح المصحف فتح عليه الفتوحات الأزلية والأبدية ، وظهر له كنوز المعارف والعوارف الظاهرية والباطنية ، فقال السيد : أنا ما كنت أمنعك عن القرآن ، وإنما كنت أمنعك عن لقلقة اللسان والغفلة عما فيه من البيان في هذا الشأن ، والله المستعان ( رواه مالك ، وأحمد ، والترمذي ، وابن ماجه ) : وكذا الحاكم في المستدرك ( إلا أن مالكا وقفه ) : بالتخفيف ( على أبي الدرداء ) : يعني : والباقون رفعوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يضر لأن الحكم لمن وصل لا لمن وقف ؛ لأن مع الأول زيادة العلم بالوصل وزيادة الثقة مقبولة ، ولأن هذا مما لا يقال من قبل الرأي فوقفه كرفع غيره .




الخدمات العلمية