الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1078 159 - حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا مسعر عن زياد قال: سمعت المغيرة رضي الله عنه يقول: إن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة.

                                                                                                                                                                                  (ذكر رجاله) وهم أربعة:



                                                                                                                                                                                  الأول: أبو نعيم الفضل بن دكين .

                                                                                                                                                                                  الثاني: مسعر بكسر الميم ابن كدام العامري الهلالي ، مر في "باب الوضوء" بالمد.

                                                                                                                                                                                  الثالث: زياد بكسر الزاي وتخفيف الياء آخر الحروف ابن علاقة الثعلبي ، مر في آخر "كتاب الإيمان".

                                                                                                                                                                                  الرابع: المغيرة بن شعبة .

                                                                                                                                                                                  (ذكر لطائف إسناده): فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين، وفيه العنعنة في موضع، وفيه السماع، وفيه القول في ثلاثة مواضع، وفيه أن رجال إسناده كوفيون ، وهو من الرباعيات، وفيه مسعر عن زياد ، وقال البخاري في الرقاق: عن خلاد بن يحيى عن مسعر حدثنا زياد بن علاقة ، والحفاظ من أصحاب مسعر رووا عنه عن زياد وخالفهم محمد بن بشر وحده فرواه عن مسعر عن قتادة عن أنس ، أخرجه البزار ، وقال: الصواب عن مسعر عن زياد ، وأخرجه الطبراني في "الكبير" من رواية أبي قتادة الحراني عن مسعر عن علي بن الأقمر عن أبي جحيفة ، قيل: أخطأ فيه أيضا، والصواب مسعر عن زياد بن علاقة . (قلت): مسعر كما روى عن زياد روى أيضا عن علي بن الأقمر ، فما وجه التخطئة ؟ ولم يبين مدعيها.

                                                                                                                                                                                  (ذكر تعدد موضعه، ومن أخرجه غيره) أخرجه البخاري أيضا في "الرقاق" عن خلاد بن يحيى ، وفي "التفسير" عن صدقة بن الفضل عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه مسلم في أواخر الكتاب عن قتيبة ، وعن ابن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وأخرجه الترمذي في "الصلاة" عن قتيبة وبشر بن معاذ ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة وعمر بن منصور ، وفي "التفسير" عن قتيبة أيضا عن أبي عوانة به، وفي "الرقاق" عن سويد بن نصر ، وأخرجه ابن ماجه في "الصلاة" عن هشام بن عمار .

                                                                                                                                                                                  (ذكر معناه):

                                                                                                                                                                                  قوله: " إن كان ليقوم " كلمة "إن" مخففة من الثقيلة وهي بكسر الهمزة، وضمير الشأن فيه محذوف، والتقدير أنه كان، واللام في "ليقوم" مفتوحة للتأكيد، وفي رواية كريمة " ليقوم يصلي "، وفي حديث عائشة " كان يقوم من الليل " .

                                                                                                                                                                                  قوله: " أو ليصلي " شك من الراوي.

                                                                                                                                                                                  قوله: " حتى ترم " قد مر تفسيره عن قريب، وفي رواية خلاد بن يحيى " حتى ترم أو تنتفخ "، وعند الترمذي " حتى انتفخت قدماه "، وفي رواية للبخاري في تفسير الفتح " حتى تورمت "، وفي رواية النسائي عن أبي [ ص: 180 ] هريرة : "حتى تزلع" ولا اختلاف في الحقيقة في هذه الرواية ; لأن كلها ترجع إلى معنى واحد، وروى البزار من حديث محمد بن عبد الرحمن بن سفينة عن أبيه عن جده " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تعبد قبل أن يموت واعتزل النساء حتى صار كأنه شن " وفي سنده محمد بن الحجاج قال ابن معين : ليس بثقة.

                                                                                                                                                                                  قوله: " أو ساقاه " شك من الراوي، وفي رواية خلاد " قدماه " من غير شك.

                                                                                                                                                                                  قوله: " فيقال له " لم يذكر المقول ولا بين القائل من هو، أما المقول فمقدر تقديره: فيقال له: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، وفي حديث أبي هريرة أخرجه البزار " فقيل له: يا رسول الله أتفعل هذا وقد جاءك من الله أن قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟" وفي حديث أنس أخرجه البزار أيضا وأبو يعلى والطبراني في "الأوسط" " فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر " ، وفي حديث ابن مسعود أخرجه الطبراني "الصغير" " فقيل له: يا رسول الله أوليس الله قد غفر لك ؟" وفي حديث النعمان بن بشير أخرجه الطبراني " فقيل: يا رسول الله أوليس الله قد غفر لك ؟" وفي حديث أبي جحيفة أخرجه الطبراني في "الكبير" " فقيل: يا رسول الله قد غفر الله لك " ، وأما بيان القائل ففي حديث عائشة " لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ؟" وفي رواية أبي عوانة " فقيل له: أتتكلف هذا ؟ قوله: " أفلا أكون عبدا شكورا " الفاء فيه للسببية، بيان أن الشكر سبب للمغفرة ، والتهجد هو الشكر، فلا يتركه.

                                                                                                                                                                                  (ذكر ما يستفاد منه) قال ابن بطال : فيه أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن أضر ذلك ببدنه، وله أن يأخذ بالرخصة ويكلف نفسه بما سمحت، إلا أن الأخذ بالشدة أفضل لأنه إذا فعل - صلى الله عليه وسلم - وقد غفر له فكيف من لم يعلم أنه استحق النار أم لا، وإنما ألزم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنفسهم شدة الخوف لعلمهم عظيم نعمة الله عليهم وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها فبذلوا مجهودهم في شكره مع أن حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد، وقال بعض العلماء: ما ورد في القرآن والسنة من ذكر ذنب لبعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كقوله: وعصى آدم ربه فغوى ونحو ذلك، فليس لنا أن نقول ذلك في غير القرآن والسنة حيث ورد، ويؤول ذلك على ترك الأولى، وسميت ذنوبا لعظم مقدارهم كما قال بعضهم: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، وعلى هذا فما وجه قول من سأله من الصحابة بقوله: " أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ " والجواب أن من سأله عن ذلك إنما أراد به ما وقع في سورة الفتح، ولعل بعض الرواة اختصر عزو ذلك إلى الله لما جاء في حديث أبي هريرة : " تفعل ذلك وقد جاءك من الله أن قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ " ولك أن تقول: دل قوله: " وما تأخر " على انتفاء الذنب ; لأن ما لم يقع إلى الآن لا يسمى ذنبا في الخارج، وأراد الله تأمينه بذلك لشدة خوفه حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية " فأراد: لو وقع منك ذنب لكان مغفورا، ولا يلزم من فرض ذلك وقوعه، والله تعالى أعلم، وفي " أفلا أكون عبدا شكورا " أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، ومنه قوله تعالى: اعملوا آل داود شكرا فإذا وفقه الله تعالى لعمل صالح شكر ذلك بعمل آخر، ثم يكون شكر ذلك العمل الثاني بعمل آخر ثالث، فيتسلسل ذلك إلى غير نهاية.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية