الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

2369 - وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " قال رجل لم يعمل خيرا قط لأهله ، وفي رواية أسرف رجل على نفسه فلما حضره الموت أوصى بنيه إذا مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ، ونصفه في البحر ، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين فلما مات فعلوا ما أمرهم ، فأمر الله البحر فجمع ما فيه ، وأمر البر فجمع ما فيه ، ثم قال له لم فعلت هذا ؟ قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم ، فغفر له . متفق عليه .

التالي السابق


2369 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رجل ) أي ممن كان قبلنا ( لم يعمل ) صفة رجل ( خيرا قط ) أي عملا صالحا ، كما يدل عليه قوله لم يعمل ، وخوفه من عذابه وغفرانه تعالى ، ولهذا قال ابن حجر : أي بعد الإسلام ( لأهله ) قال ابن الملك : يعلم منه أن عمل الخير يتعدى منه لأهله وذوي قرابته ، وأنه يعمل خيرا لنفسه أيضا ; لأنه لو عمل لنفسه لتعدى منه إليهم اهـ ، والصواب أن قوله لأهله متعلق بقال كما صرح به الطيبي فيما سيأتي لا بلم يعمل كما فهم هذا القائل ، تأمل ( وفي رواية أسرف رجل على نفسه ) أي : بالغ في فعل المعاصي فمؤدى الروايتين واحد ( فلما حضره الموت أوصى بنيه إذا مات فحرقوه ) قال الطيبي : مقول قال [ ص: 1641 ] على الرواية الأولى ، ومعمول أوصى على الرواية الأخرى فقد تنازعا فيه في عبارة الكتاب . اهـ ، وهو الصواب لأن قوله : ( وفي رواية ) إلى قوله : ( أوصى ) بنية جملة معترضة ، خلافا لما قاله زين العرب من أن تقدير الكلام على الرواية الأولى هكذا : رجل لم يعمل قط خيرا لأهله فلما حضره الموت إلخ ، وعلى الرواية الأخرى يكون ابتداء قول الرسول - عليه الصلاة والسلام - من : أسرف رجل على نفسه والمراد أنه أكثر من الذنوب . اهـ ، ثم الأصل : إذا أنا مت فحرقوني . وعدل عنه إلى الغيبة إعلاما بعدم الاعتناء به ، وأنه قدم ما غاب به عن مراتب السعداء كذا قاله ابن حجر - رحمه الله تعالى - وحاصله أنه من باب الالتفات في مذهب بعض ، كما قال الطيبي : لو حكي ما تلفظ به الرجل لكان ينبغي أن يقال : إذا مت فحرقوني ثم ليذروا نصفي ، ولو نقل معنى ما تلفظ به الرجل لقال : إذا مات فليحرقه قومه ثم ليذروا ، فعدل عن ضمير المتكلم إلى الغائب تحاشيا عن وصمة نسبة التحريف وتوهم الشك في قدرة الله إلى نفسه . اهـ ، وأما قول ابن حجر : وكلامي أولى مما قيل عدل إلخ ، لأن هذا العدول لا يمنع إيهام الشك في قدرة الله تعالى ، فغفلة وذهول عن أن العدول وقع عن قوله لئن قدر الله علي إلى قوله قدر الله عليه ، وإن لم يذكره الطيبي تحاميا أيضا ( ثم اذروا ) همزة وصل من الذري : بمعنى التذرية ، ويجوز قطعها يقال ذرته الريح وأذرته : إذا أطارته ، أي : فرقوا ( نصفه ) أي نصف رماده إلى البر ( ونصفه في البحر فوالله لئن ) اللام موطئة للقسم ( قدر ) بتخفيف الدال ويشدد أي : ضيق ( الله عليه ) قال ابن حجر : وفي نسخة علي ، واعتمدها النووي ، والظاهر أنه سهو قلم من بعض الكتاب لأنه يحصل له تحريف الكتاب ويدل على ضعفه قوله ( ليعذبنه ) إذ لم يعهد الالتفاف بين أجزاء جملتي الشرطية والقسمية وعلى تقدير ثبوته يحمل على أن الرجل كان دهشا ( عذابا ) أي تعذيبا ( لا يعذبه ) أي ذلك العذاب ( أحدا من العالمين ) قيل معناه لئن ضيق الله عليه وناقشه في الحساب من القدر بمعنى التضييق لا من القدرة ; لأن الشك في القدر كفر ، وقد قال في آخر الحديث ( خشيتك ) وغفر له ، والكافر لا يخشاه ولا يغفر له فله تأويلان أحدهما : أن ( قدر ) بالتخفيف بمعنى ضيق ، ومنه قوله تعالى : قدر عليه رزقه بالتخفيف والتشديد وقوله : فظن أن لن نقدر عليه والثاني لئن قدر عليه العذاب أي : قضاه من قدر بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد ; ولكن روي في بعض طرق الحديث فلعلي أضل الله أي : أفوته ، وهذا ينبئ أنه أراد التمنع بالتحريق من قدرة الله تعالى ، ومع ذلك أخبر الصادق بغفرانه ، فلا بد من وجه يمكن القول معه بإيمانه ، فقيل : إن الرجل ظن أنه إذا فعل هذا الصنيع ترك ، فلم ينشر ولم يعذب ، وأما تلفظه بقوله : لئن قدر الله ، وبقوله فلعلي أضل الله ; فلأنه كان جاهلا بذلك وقد اختلف في مثله هل يكفر أم لا ؟ بخلاف الجاحد للصفة ، وقيل هذا ورد مورد التشكك فيما لا يشك ، ويسمى ذلك في علم البلاغة بتجاهل العارف كقوله فظن أن لن نقدر عليه الآية . وقيل لقي من هول المطلع ما أدهشه وسلب عقله فلم يتمكن من تمهيد القول وتخميره ; فبادر بسقط من القول ، وأخرج كلامه مخرجا لم يعتقد حقيقته ، وهذا أسلم الوجوه والله أعلم ، وقال الطيبي - رحمه الله - هو كلام صدر عن غلبة حيرة ودهشة من غير تدبر في كلامه كالغافل والناسي فلا يؤاخذ فيما قال ، أقول : هذا هو الظاهر من الحديث كما سيأتي ، حيث قال تعالى : لم فعلت ؟ قال من خشيتك يا رب وأنت أعلم ، والله أعلم ، وقيل ذلك لا يؤاخذ عليه ، ونحوه ما تقدم من قول واجد الضالة ( أنت عبدي وأنا ربك ) واختارهابن حجر تبعا لما ذكره الطيبي ، وفيه نص إذ قول الواجد وقع سهوا وخطأ بخلاف هذا فكيف يكون مقيسا ، وقيل إنكار وصف واحد مع الاعتراف بما عداه لا يوجب كفرا ، قلت : جهل وصف واحد عذر عند بعض لا إنكاره ، وبون بين الإنكار للشيء والجهل به ، ثم رأيت الطيبي قال : قيل إنه جهل صفة من صفات الله ، وقد اختلفوا في تكفير جاهل صفة من صفات الله تعالى ، قال القاضي عياض ، وممن كفره ابن جرير الطبري ، وقال به أبو الحسن الأشعري أولا ، وقال آخرون لا يكفر به بخلاف جحدها ، وإليه رجع أبو الحسن وعليه استقر مذهبه ، قال : لأنه يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ويراه دينا شرعا ، وإنما يكفر من اعتقد أن مقالته حق ، وقالوا لو سئل الناس عن [ ص: 1642 ] الصفات لوجد العارف بها قليلا ، وقيل : هذا من بديع استعمالات العرب ، ويسمى مزج الشك باليقين ، والمراد اليقين كقوله تعالى : فإن كنت في شك قال الطيبي : وتحريره أن الله أراد أن يحقق ما أنزل عليه من أمر أهل الكتاب ويقرره عنده ، وعلم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يشك فيه قطعا ، وإنما قال تهييجا وإلهابا له ليحصل له مزيد ثبات ورسوخ قدم فيه ، كذلك هذا الرجل علم أن الله قادر أن ينشره ويبعثه ويعذبه بعد ذلك ، ويؤيده ما ورد في رواية أخرى ( وإن الله يقدر على أن يعذبني ) فأراد أن يحرض القوم على إنفاذ وصيته ; فأخرج الكلام في معرض التشكيك لهم لئلا يتهاونوا في وصيته فيقوموا بها حق القيام . اهـ ، ولا يخفى عدم المناسبة بين الحديث والآية ; لأن الآية من كلامه تعالى خطابا لنبيه مبنيا على فرضه وتقديره ، فلا يتصور شك في وقوعه ، ولذا قال - عليه الصلاة والسلام - : " لا أشك ولا أسأل " ، والحديث من كلام غير معصوم خطابا لمن يتصور منه الشك ابتداء أو انتهاء ، ولا تأييد لمعنى الرواية الأخرى فإنها معنى صحيح لا غبار عليه مباين لهذه الرواية فإنها موهمة ، نعم تلك الرواية تدل على أنه مؤمن ويحتاج كلامه إلى تأويل ، وإن أحسن التأويل ما قيل في قوله تعالى : فظن أن لن نقدر عليه ورواية ( أضل الله ) تحمل على معنى : أضيع طاعته ، و ( لعل ) للإشفاق الدال عليه قوله : " من خشيتك يا رب " لا أنه للترجي كما حملوا عليه وأشكلوا على أنفسهم ونسبوا الكفر إليه ، وغايته أنه أتى بالمضارع لاستحضار الحال الماضية ولا محظور لديه ، وقيل : كان هذا الرجل في زمان فترة حين ينفع مجرد التوحيد ، قال الطيبي : ولا تكليف قبل ورود الشرع على المذهب الصحيح لقوله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا وفيه أنه إذا لم يكن هناك تكليف ، والتوحيد متحقق فلا معنى للخوف ، مع أن كلام الطيبي ليس على مقتضى مذهبه ، فإن عند الشافعية لا تكليف فيه بتوحيد وغيره ، كما هو مقرر في محله ( فلما مات فعلوا ) أي أهله أو بنوه ( ما أمرهم ) من التحريق والتذرية ( فأمر الله البحر فجمع ما فيه ، وأمر البر فجمع ما فيه ) أي : من أجزاء الرجل ; إظهارا للقدرة الكاملة والقوة الشاملة ( ثم قال له لم فعلت هذا ) أي : ما ذكر من الوصية ( قال من خشيتك يا رب ، وأنت أعلم ) قيل : إنما وصى بذلك تحقيرا لنفسه وعقوبة لها بعصيانها رجاء أن يرحمه الله فيغفر له ، وهذا يؤيد أن قوله : ( لئن قدر ) بمعنى ضيق ; فاندفع قول ابن حجر : أن تحقير النفس لا يبيح مثل ذلك ( فغفر له ) قال الطيبي : ويحتمل أن يكون قوله : لئن قدر الله عليه من قوله - عليه الصلاة والسلام - فيكون معناه أنه تعالى لو وجده على ما كان عليه ولم يفعل به ما فعل ; فترحم عليه بسببه ، ورفع عنه أعباء ذنبه ; لعذبه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، أو لئن ضيق عليه وناقشه في الحساب لعذبه أشد العذاب ، وفيه مع بعده عن السباق واللحاق ، وعلى تسليم أنه جملة معترضة بين كلام الرجل يأباه الفاء في قوله فوالله المترتب على ما تقدم ، والله أعلم ، وأما قول ابن حجر : المراد لئن بعثني ، وإن هنا بمعنى إذا ، أو إن على حد ( وخافون إن كنتم مؤمنين ) فمردود بأن اللام الموطئة لا تدخل إلا على الشرط والجواب للقسم ، ويسد مسد الشرط مع عدم ملاءمة المعنى بينه وبين ما قبله من الكلام المترتب عليه فتدبر يظهر ، ثم أغرب بقوله وهذا أظهر الأجوبة عندي ، لكن في رواية غير مسلم " فلعلي أضل الله " أي : أغيب عنه ، قيل : وهذا يدل على تعمده لحقيقة مدلول قوله لئن قدر عليه . اهـ ، ويرد بمنع دلالته على ذلك لأن الدهش يتخيل غير الواقع كثيرا . اهـ . وفيه أن هذا ليس سندا للمنع ; بل دليل على تحققه ، ودلالته وغايته أنه قد يعتبر عذرا فيصلح أن يكون جوابا لا منعا ، فإن قلت تعارض رواية " لئن قدر عليه " رواية " وأن الله يقدر على أن يعذبني " قلت : هذه لا تقاوم تلك وبفرض صحتها فيجمع على قضيتين ، ويحتمل أنه أوصى مرتين مرة كان فيها ثابت العقل ، وأخرى مدهوش العقل مذهوب القلب ( متفق عليه ) .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث