الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث الأول إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

806 [ ص: 122 ] حديث أول لابن شهاب ، عن سليمان بن يسار

مالك ، عن ابن شهاب ، عن سليمان بن يسار ، عن عبد الله بن عباس ، قال : كان الفضل رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه ، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه ، فجعل رسول الله يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر ، فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه ؟ قال : نعم . وذلك في حجة الوداع .

التالي السابق


هذا حديث صحيح ثابت ، لم يختلف في إسناده ، وقد سمعه سليمان بن يسار من ابن عباس ، كذلك قال الأوزاعي عن الزهري ، عن سليمان بن يسار ، أن عبد الله بن عباس أخبره أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ، والفضل بن عباس رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، إن فريضة الله ، فذكر الحديث ، وكذلك رواية ابن عيينة ، عن الزهري : حدثني سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا الحميدي ، وحدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا نصر بن حماد ، قال : حدثنا مسدد ، قالا جميعا [ ص: 123 ] حدثنا سفيان ، قال : حدثنا الزهري ، قال : سمعت سليمان بن يسار يقول : سمعت ابن عباس يقول : إن امرأة من خثعم سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة النحر والفضل ردفه فقالت : إن فريضة الله في الحج على عباده ، أدركت أبي وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يتمسك على الراحلة ، فهل ترى أن أحج عنه ؟ قال : نعم .

قال الحميدي : وحدثنا سفيان ، قال : كان عمرو بن دينار حدثناه أولا عن الزهري ، عن سليمان بن يسار ، عن ابن عباس ، وزاد فيه : فقالت : يا رسول الله ، أوينفعه ذلك ؟ قال : نعم كما لو كان على أحدكم دين فقضاه . فلما جاءنا الزهري تفقدت هذا فلم يقله .

واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث ومعناه ، ونحن نذكر ذلك إن شاء الله ، ونبينه ولا قوة إلا بالله .

وفيه من الفقه إباحة ركوب نفسين على دابة ، وهذا ما لا خلاف في جوازه ، إذا أطاقت الدابة ذلك ، وفيه إباحة الارتداف ، وذلك من التواضع ، والجليل من الرجال جميل به الارتداف ، والأنفة منه تجبر وتكبر ، حبب الله إلينا الطاعة برحمته .

وفيه بيان ما ركب في الآدميين من شهوات النساء ، وما يخاف من النظر إليهن ، وكان الفضل بن عباس من شبان بني هاشم ، بل كان أجمل أهل زمانه فيما ذكروا .

[ ص: 124 ] وفيه دليل على أن الإمام يجب عليه أن يحول بين الرجال والنساء في التأمل والنظر ، وفي معنى هذا منع النساء اللواتي لا يؤمن عليهن ومنهن الفتنة من الخروج والمشي في الحواضر والأسواق ، وحيث ينظرن إلى الرجال . قال - صلى الله عليه وسلم - : ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء . وفي قول الله عز وجل : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم الآية ، ما يكفي لمن تدبر كتاب الله ووفق للعمل به . حدثنا أحمد ، حدثنا مسلمة ، حدثنا جعفر ، حدثنا يوسف بن حبيب ، حدثنا أبو داود الطيالسي ، قال : حدثنا سكين بن عبد العزيز قال : حدثني أبي ، عن ابن عباس أن الفضل كان رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة ، فجعل يلحظ إلى امرأة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : مه يا غلام ، فإن هذا يوم من حفظ فيه بصره غفر له .

وفيه دليل على أن إحرام المرأة في وجهها حكمه ، وهذا ما لم يختلف فيه الفقهاء ، وفيه دليل على أن المرأة تحج وإن لم يكن معها ذو محرم ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للخثعمية : حجي عن أبيك ، ولم يقل : إن كان معك ذو محرم . وفي ذلك دليل على أن المحرم ليس من السبيل ، والله أعلم ، وستأتي هذه المسألة واختلاف العلماء فيها في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء الله .

وأما اختلاف أهل العلم في معنى هذا الحديث ، فإن جماعة منهم ذهبوا إلى أن هذا الحديث مخصوص به أبو الخثعمية لا يجوز أن [ ص: 125 ] يتعدى به إلى غيره بدليل قول الله عز وجل : من استطاع إليه سبيلا وكان أبو الخثعمية ممن لا يستطيع ، فلم يكن عليه الحج ، فلما لم يكن ذلك عليه لعدم استطاعته ، كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب ، وممن قال ذلك مالك بن أنس وأصحابه ، وجعلوا أبا الخثعمية مخصوصا بالحج عنه كما كان سالم مولى أبي حذيفة عندهم وعند من خالفهم في هذه المسألة مخصوصا برضاعه في حال الكبر ، مع اشتراط الله عز وجل تمام الرضاعة في الحولين ، فكذلك أبو الخثعمية مع شرط الله في وجوب الحج الاستطاعة وهي القدرة ، وذهب آخرون إلى أن الاستطاعة تكون بالبدن والقدرة ، وتكون أيضا في المال لمن لم يستطع ببدنه ، واستدلوا بهذا الحديث ومثله ، وممن قال ذلك الشافعي .

واختلف العلماء في الاستطاعة التي عنى الله عز وجل بقوله ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : السبيل : الزاد والراحلة . وهذا الحديث - لو صح - لكان فرض الحج في المال والبدن نصا ، كما قال الشافعي ومن تابعه ، ولكنه حديث انفرد به إبراهيم بن يزيد الخوزي [ ص: 126 ] وهو ضعيف . روى عبد الرزاق وغيره ، قال : حدثنا إبراهيم بن يزيد ، قال : سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث ، عن ابن عمر ، قال : قام رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : من الحاج يا رسول الله ؟ قال : الشعث التفل . فقام رجل آخر فقال : أي الحج أفضل يا رسول الله ؟ قال : العج والثج . فقام رجل آخر فقال : ما السبيل يا رسول الله ؟ قال : الزاد والراحلة . وروي عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن عباس ، أنهما قالا : السبيل معناه : الزاد والراحلة .

وروى معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله من استطاع إليه سبيلا ، قال : السبيل أن يصح بدن العبد ، ويكون له ثمن زاد وراحلة من غير أن يجحف به . وبه قال الحسن البصري ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وإليه ذهب الشافعي ، وأبو حنيفة وأصحابهما ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، قال أبو حنيفة والشافعي : لا يجب الحج إلا على من ملك زادا وراحلة من الأحرار البالغين ، وعند أبي حنيفة وأصحابه ، وأحمد ، وطائفة : ذو المحرم في المرأة من السبيل ، وسنبين هذا في باب سعيد بن أبي سعيد إن شاء [ ص: 127 ] الله . والذي عول عليه الشافعي وأصحابه في هذا الباب ، حديث ابن عباس في قصة الخثعمية ، وبه استدلوا على أن الحج فرض واجب في المال ، قالوا : وأما البدن فمجتمع عليه ، والنكتة التي بها استدلوا وعليها عولوا ، قول المرأة في هذا الحديث : إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ، فأخبرته أن الحج إذ فرض على المسلمين كان أبوها في حال لا يستطيعه ببدنه ، فأخبرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يجزئه أن تحج عنه ، وأعلمها أن ذلك كالدين تقضيه عنه ، فكان في هذا الكلام معان ، منها : أن الحج وجب عليه كوجوب الدين ، ومعلوم أن الدين واجب في المال لا في البدن ، ومنها : أن عملها في ذلك يجزئ عنه ، فدل على أن ذلك ليس كالصلاة التي لا يعملها أحد عن أحد ، ومنها : أن الاستطاعة تكون بالمال كما تكون بالبدن ، واحتجوا من الآثار بكل ما ذكر فيه تشبيه الحج بالدين ، وسنذكرها في هذا الباب إن شاء الله ، وأجمع علماء المسلمين أن الحج غير واجب على من لم يبلغ من الرجال والنساء .

وقال داود : الحج على العبد واجب وقال سائر الفقهاء : لا حج عليه ، وقال الشافعي : الاستطاعة على وجهين ، أحدهما : أن يكون مستطيعا ببدنه ، واجدا من ماله ما يبلغه الحج بزاد وراحلة ، واحتج بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - المذكور ، قال : الوجه الآخر أن [ ص: 128 ] يكون معضوبا ببدنه لا يقدر أن يثبت على ركب بحال ، وهو قادر على من يطيعه إذا أمره أن يحج عنه بطاعته له أو من يستأجره ، فيكون هذا ممن لزمه فرض الحج ، لأنه قادر بهذا الوجه . قال : ومعروف من لسان العرب أن يقول الرجل : أنا مستطيع أن أبني دارا أو أخيط ثوبا ، يعني بالإجارة أو بمن أطاعه ، واحتج بحديث الخثعمية ; حديث ابن عباس هذا المذكور في هذا الباب .

وقال مالك : كل من قدر على التوصل إلى البيت وإقامة المناسك بأي وجه قدر ، بزاد وراحلة أو ماشيا على رجليه ، فقد لزمه فرض الحج ، ومن لم يستطع بمرض أو زمانة فليس بمخاطب في الحج .

هذا مذهب مالك وجميع أصحابه ، واتفق مالك وأبو حنيفة : أن المعضوب الذي لا يتمسك على الراحلة ليس عليه الحج ، وممن روي عنه مثل قول مالك ; عكرمة والضحاك بن مزاحم .

والمعضوب معناه : الضعيف الهرم الذي لا يقدر على النهوض ، وقال الخليل : رجل معضوب : كأنما لوي ليا والمعضوب : الذي كادت أعضاؤه تنتشر جزعا . أخبرني أبو عبد الله محمد بن خليفة ، قال : حدثنا أبو الحسن محمد بن نافع المكي ، قال : حدثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي ، قال : حدثنا ابن المقرئ ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا حيوة ، وابن لهيعة [ ص: 129 ] قالا : حدثنا شرحبيل بن شريك ، قال : سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول في قول الله عز وجل : من استطاع إليه سبيلا ، قال : السبيل الصحة . وقال الضحاك : إذا كان شابا فليؤاجر نفسه بأكلة وعقبة حتى يقضي نسكه .

ومن حجة مالك أيضا ومن ذهب مذهبه عموم قول الله عز وجل : من استطاع إليه سبيلا فبأي وجه استطاع ذلك بنفسه وقدر ، فقد لزمه الحج ، وليس استطاعة غيره استطاعة له ، والحج عنده وعند أصحابه من عمل الأبدان ، فلا ينوب فيه أحد عن أحد قياسا على الصلاة . وحمل بعضهم حديث الخثعمية على أن ذلك على الاستحباب لمن شاء ، لا على أداء واجب .

واحتجوا بحديث عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن سليمان الشيباني ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أحج عن أبي ؟ قال : نعم إن لم تزده خيرا لم تزده شرا .

قال أبو عمر :

أما هذا الحديث فقد حملوا فيه على عبد الرزاق لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه ، وقالوا : هذا حديث لا يوجد في الدنيا عند أحد بهذا الإسناد ، إلا في كتاب عبد الرزاق ، أو في كتاب من أخرجه من كتاب عبد الرزاق ، ولم يروه أحد عن الثوري غيره ، وقد خطأوه فيه وهو عندهم خطأ . فقالوا : هذا لفظ منكر لا تشبهه ألفاظ النبي - صلى [ ص: 130 ] الله عليه وسلم - أن يأمر بما لا يدري هل ينفع أم لا ينفع . حدثني خلف بن سعيد ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن خالد ، قال : حدثنا عبيد بن محمد الكشوري ، قال : لم يرو حديث الشيباني عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس ، أحد غير عبد الرزاق ، عن الثوري ولم يروه ، عن الثوري لا كوفي ولا بصري ولا أحد .

قال أبو عمر :

أما ظاهر إسناد هذا الحديث فظاهر جميل ، لأن الشيباني ثقة ، وهو سليمان بن أبي سليمان ، وروى عنه شعبة والثوري وهشيم ، وكذلك يزيد بن الأصم ثقة ، ولكنه حديث لا يوجد عند أصحاب الثوري الذين هم أعلم بالثوري من عبد الرزاق ، مثل القطان ، وابن مهدي ، وابن المبارك ، ووكيع ، وأبي نعيم ، وهؤلاء جلة أصحاب الثوري في الحديث ، وعبد الرزاق ثقة ، فإن صح هذا الخبر ، ففيه حجة لمالك وأصحابه فيما تأولوه في حديث الخثعمية ويدخل عليهم منه ، لأنهم لم يجعلوه أصلا يقيسون عليه ، ولا يجيزون صلاة أحد عن أحد ، ولا يقولون فيها إنها إن لم تزد المصلى عنه خيرا لم تزده شرا ، كما في هذا الخبر في الحج .

[ ص: 131 ] ومن حجة مالك وأصحابه أيضا ، الإجماع على أن الفقير إذا وصل إلى البيت بخدمة الناس أو بالسؤال أو بأي وجه وصل إليه ، فقد تعين عليه الحج ، وأنه إذا أيسر فلا قضاء عليه ، ومن قول مالك وأصحابه أيضا ، أن الذي لا زاد له ليس عليه الحج ، وإن كان قادرا على المشي إذا لم يكن من عادته السؤال والتبذل ، فإن حج أجزأه ، فإن قيل : إن الفقير إذا وصل إلى البيت فقد تعين عليه الفرض ولزمه ، لأنه مستطيع حينئذ . قيل له : لو كان الحج لا يجب فرضا إلا على من ملك زادا أو راحلة ، لما تعين فرضه على الفقير بدخوله مكة ، كما لا يتعين فرضه على العبد بدخوله مكة ، ولو كان الزاد والراحلة من شرائط الوجوب لاستوى فيه حاضرو المسجد الحرام وغيرهم ، كما استووا في الحرية والبلوغ الذي لا يجوز الحج إلا بهما ، ويدخل على قائلي هذا القول : إن العلة في العبيد باقية لم تزل وهي الرق ، وعلة الذي لم يستطع ثم استطاع قد زالت .

ومن حجة الشافعي ومن قال بقوله : حديث شعبة ، عن النعمان بن سالم ، عن عمرو بن أوس ، عن أبي رزين العامري أنه قال : يا رسول [ ص: 132 ] الله ، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ، قال : احجج عن أبيك واعتمر .

وروى معمر ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رجل يا نبي الله ، إن أبي مات ولم يحج ، أفأحج عنه ؟ قال : أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه ؟ قال : نعم ، قال : فدين الله أحق .

وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال : حدثنا حمزة بن محمد ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن يوسف بن الزبير ، عن عبد الله بن الزبير ، قال : جاء رجل من خثعم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أبي شيخ كبير ، لا يستطيع الركوب وأدركته فريضة الحج ، فهل يجزئ أن أحج عنه ؟ قال : أنت أكبر ولده ؟ قال : نعم ، قال : أرأيت لو كان عليه دين أكنت تقضيه قال : نعم ، قال : فحج عنه .

[ ص: 133 ] وروى هشيم ، عن يحيى بن أبي إسحاق ، عن سليمان بن يسار ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم مثل حديث ابن الزبير هذا سواء .

وروى عبد الرزاق ، عن هشيم بن بشير ، عن جعفر بن أبي وحشية ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أتى رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت ، قال : أرأيت لو كان عليها دين ، أكنت قاضيه ؟ قال : نعم ، قال : فاقضوا الله ، فهو أحق بالوفاء .

قالوا : وتشبيهه - صلى الله عليه وسلم - ذلك بالدين ، دليل على وجوب الحج على من ببدنه عن الامتساك على الدؤبة وكان له مال يستأجر به ، قالوا : وكذلك هو واجب على من مات قبل أن يؤديه إذا استطاع ذلك ببدنه أو بماله .

قال أبو عمر :

حجة أصحاب مالك في تشبيهه الحج بالدين ، أن ذلك أيضا خصوص للخثعمية ، كما خص أبوها بأن يعمل عنه ما لم يجب عليه ، وكذلك خصت بالعمل عنه لتؤجر ويلحقه ثواب عملها ، بدليل القرآن في الاستطاعة ، وبدليل الإجماع أنه لا يصلي أحد عن أحد فرضا وجب عليه ، وقد يعمل عنه ما لم يجب عليه ويشركه في ثوابه ، هذا معنى قولهم . [ ص: 134 ] وجعلوا حج الخثعمية عن أبيها كالحج بالصبي الذي أريد به التبرك لا الفرض ، وأدخل بعض من يحتج لمالك على أصحاب الشافعي أن قال : لو ثبت تشبيه الحج بالدين ، لكنت مخالفا له ، لأنك زعمت أن من حج عنه ثم وجد قوة ، أنه لا يجزئه ، وليس الدين كذلك ، لأنه إذا أدي لم يحتج أن يؤدى ثانية ، وانفصل من ذلك أصحاب الشافعي بأنه إنما أمر بالحج عنه لعدمه الاستطاعة ببدنه ، فلما صح كان حينئذ قد توجه إليه فرض الحج ولزمه قضاؤه عن نفسه ، لقدرته على ذلك ببدنه ، فأشار على المعتدة بالشهور يطرأ عليها الحيض فتعود إليه ، وأدخل بعض أصحاب الشافعي أن مالكا يجيز أن يحج الرجل عن الميت إذا أوصى بذلك ، ولا يجيز الصلاة ولا الصيام أن يعملهما أحد عن أحد غيره ميت ولا حي ، وفي ذلك دليل على خلاف الحج للصلاة وأعمال البدن ، ولبعضهم على بعض تشغيب يطول ذكره ولا يجمل اجتلابه .

وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز حج الرجل عن غيره ، واختلف الفقهاء في ذلك فقال الحسن بن صالح بن حي : لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام ، وهو قول مالك والليث .

وقال أبو حنيفة : للصحيح أن يأمر من يحج عنه ويكون ذلك تطوعا ، وقال : للمريض أن يأمر من يحج عنه حجة الإسلام ، فإن مات [ ص: 135 ] كان ذلك مسقطا لفرضه ، وإن أوصى أن يحج عنه كان ذلك في ثلثه ، وإن تطوع رجل بالحج عنه بعد الموت أجزأه . ولا يجوز عنده أن يواجر أحد نفسه في الحج .

وقال الثوري نحو قول أبي حنيفة : أخبرنا إبراهيم بن شاكر ، قال : حدثنا عبد الله بن عثمان ، قال : حدثنا طاهر بن عبد العزيز ، قال : حدثنا عباد بن محمد ، قال : حدثنا يزيد بن أبي حكيم ، قال : سمعت سفيان ، قال : إذا مات الرجل ولم يحج ، فليوص أن يحج عنه ، فإن هو لم يوص فحج عنه ولده فحسن ، إنما هو دين يقضيه ، وقد كان يستحب لذي القرابة أن يحج عن قرابته ، فإن كان لا قرابة له فمواليه إن كان ، فإن ذلك يستحب . فإن أحجوا عنه رجلا تطوعا فلا بأس ، قال : وإذا أوصى الرجل أن يحج عنه فليحج عنه من قد حج ، ولا ينبغي لرجل أن يحج عن غيره إذا لم يحج ، وإن لم يجد ما يحج به ، قال : وإذا كان الرجل عليه دين ، ولم يحج فليبدأ بدينه ، فإن كان عنده فضل يحج به حج ، وإن كان عنده قدر ما إن حج به أضر بعياله ، فلينفق على عياله ، ولا بأس أن يحج الرجل بدين إذا كان له عروض إن مات ترك وفاء ، وإن لم يكن للرجل شيء ولم يحج فلا يعجبني أن يستقرض ويسأل الناس فيحج به ، فإن فعل أو آجر نفسه أجزأه من حجة الإسلام ، قال : وإذا كان عنده ما يحج به ولم يكن حج حجة الإسلام فأراد أن يتزوج [ ص: 136 ] وخشي على نفسه ، فلا بأس أن يتزوج ويحج بعد أن يوسر ، هذا كله قول الثوري رحمه الله . وقال ابن القاسم عن مالك : ينبغي للأعزب إذا أفاد مالا أن يحج قبل أن ينكح ، قال : وحجه أولى من قضائه دينا عن أبيه ، قال : وقال مالك : ولتخرج المرأة مع وليها فإن أبى ولم يكن لها ولي ، ووجدت من يخرج معها من الرجال أو نساء مأمونين فلتخرج . وهو قول الشافعي . وسنذكر ما للعلماء من مذاهب في المرأة التي لا محرم لها يخرج معها عند ذكر حديث سعيد المقبري إن شاء الله .

وقال ابن أبي ليلى والأوزاعي ، والشافعي : يحج عن الميت ، وإن لم يوص ويجزيه ، قال الشافعي : ويكون ذلك من رأس المال .

وقال مالك : يجوز أن يحج عن الميت من لم يحج قط ، ولكن الاختيار أن يحج عن نفسه أولا ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ، وقال الحسن بن صالح : لا يحج عن الميت إلا من قد حج عن نفسه ، ويكره أن تحج المرأة عن الرجل ولا يكره أن يحج الرجل عن المرأة ; لأن المرأة تلبس والرجل لا يلبس .

وقال الشافعي : لا يحج عن الميت إلا من قد حج عن نفسه ، فإن حج عن الميت صرورة ، كانت نيته للنفل لغوا . وقال الشافعي : جائز أن يواجر نفسه في الحج ولست أكرهه .

[ ص: 137 ] وقال مالك : أكره أن يواجر نفسه في الحج ، فإن فعل جاز . وهو قول الشافعي في رواية ، وعند أبي حنيفة لا يجوز ، ومن حجته أن الحج قربة إلى الله عز وجل ، ولا يصح أن يعمله غير المتقرب به .

وقال بعض أصحابه : ألا ترى أنه لا يجوز بإجماع أن يستأجر الذمي أن يحج عن مسلم حكمه ، وذلك لأنه قربة للمسلم .

ومن حجة مالك والشافعي على جوازذلك ، إجماعهم على كتاب المصحف ، وبناء المساجد ، وحفر القبور ، وصحة الاستئجار في ذلك ، وهو قربة إلى الله ، فكذلك عمل الحج عن الغير ، والصدقات قربة إلى الله عز وجل .

وقد أباح للعامل عليها أن يأخذ منها على قدر عمله ، ولا معنى لاعتبار الإجماع على أن الذمي لا يجوز استئجاره في ذلك ، لأنهم قد أجمعوا أن الذمي لا يحج عن المسلم تطوعا ، وأن ذلك جائز في المسلم .

وفي حديث الخثعمية هذا رد على الحسن بن صالح بن حي في قوله : إن المرأة لا يجوز أن تحج عن الرجل ، وحجة لمن أجاز ذلك .

وأما حجة من أبى جواز حج الرجل عن الرجل وهو صرورة لم يحج عن نفسه ، فحديث ابن عباس : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا محمد بن بكر ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ، قال : حدثنا عبدة بن سليمان ، عن ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن عزرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أن [ ص: 138 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة ، فقال : من شبرمة ؟ قال : أخ لي . أو : قريب لي . فقال : حججت عن نفسك ؟ قال : لا ، قال : فحج عن نفسك ، ثم حج عن شبرمة .

ومن أبى القول بهذا الحديث ، علله بأنه قد روي هذا الحديث موقوفا على ابن عباس ، وبعضهم يجعله عن قتادة ، عن سعيد بن جبير ، لا يذكر عزرة ، وليست هذه عللا يجب بها التوقف عن القول بالحديث ، لأن زيادة الحافظ مقبولة ، حكمها حكم الحديث نفسه ، لو لم يجئ به غيره وبالله التوفيق .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث