الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                [ ص: 438 ] قال البخاري :

                                424 434 - ثنا محمد: ثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله "

                                التالي السابق


                                " محمد " شيخ البخاري ، الظاهر أنه: ابن سلام البيكندي . وشيخه، هو: عبدة بن سليمان الكلابي .

                                وهذا الحديث يدل على تحريم التصوير في المساجد المبنية على القبور، والصور التي في البيع والكنائس في معناها ; لأنها صور مصورة على صور أنبيائهم وصالحيهم للتبرك بها - في زعمهم - وكنائسهم وبيعهم منها ما هو على قبور أكابرهم، ومنها ما هو على أسمائهم، فالكل ملتحق بما بني على القبور في المعنى، فلهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام عند ذكر الكنائس، وما فيها من الصور، وكفى بذلك ذما للكنائس المصور فيها، وأنها بيوت ينزل على أهلها الغضب والسخط، فلا ينبغي للمسلم أن يصلي فيها.

                                وخرج الإمام أحمد وأبو داود من رواية قابوس بن أبي ظبيان ، عن أبيه، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " لا تجتمع قبلتان في أرض ".

                                وقال طاوس : لا ينبغي لبيت رحمة أن يكون عند بيت عذاب. وفسره أبو عبيد وغيره: بأنه لا ينبغي الجمع بين المساجد والكنائس في أرض واحدة.

                                فالجمع بين فعل الصلاة التي وضعت لأجلها المساجد، وبين الكفر المفعول [ ص: 439 ] في الكنائس في بقعة واحدة أولى بالنهي عنه، فكما أنهم لا يمكنون من فعل عباداتهم في المساجد، فكذا لا ينبغي للمسلمين أن يصلوا صلواتهم في معابد الكفار التي هي موضع كفرهم.

                                فإن قيل: فقد روي ما يدل على جواز إقرارهم على أن يصلوا صلواتهم في مساجد المسلمين، وإذا جاز الإقرار على ذلك جاز للمسلمين أن يصلوا في بيعهم وكنائسهم بطريق الأولى:

                                فروى ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، قال: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة - يعني: وفد نجران - فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات: جنب وأردية، قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوهم" فصلوا إلى المشرق.

                                قيل: هذا منقطع ضعيف، لا يحتج بمثله، ولو صح فإنه يحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم تألفهم بذلك في ذلك الوقت استجلابا لقلوبهم، وخشية لنفورهم عن الإسلام، ولما زالت الحاجة إلى مثل ذلك لم يجز الإقرار على مثله.

                                ولهذا شرط عليهم عمر رضي الله عنه عند عقد الذمة إخفاء دينهم، ومن جملته ألا يرفعوا أصواتهم في الصلاة، ولا القراءة في صلاتهم فيما يحضره المسلمون.



                                الخدمات العلمية