الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                3529 3530 3531 3532 ص: فقال قائل : وكيف يجوز أن يكون النبي - عليه السلام - وقت لأهل العراق يومئذ ما وقت ، والعراق إنما كانت بعده عليه السلام ؟ !

                                                قيل له : كما وقت لأهل الشام ما وقت ، والشام إنما افتتحت بعده - عليه السلام - ، فإن كان يريد بما وقت لأهل الشام من كان في الناحية التي افتتحت حينئذ من قبل الشام ، ، فكذلك يريد بما وقت لأهل العراق من كان في الناحية التي افتتحت حينئذ من قبل العراق ، مثل جبلي طيئ ونواحيها ، وإن كان ما وقت لأهل الشام ، إنما هو لما علم بالوحي أن الشام ستكون دار إسلام ، فكذلك ما وقت لأهل العراق ، إنما هو لما علم بالوحي أن العراق ستكون دار إسلام ، فإنه قد كان - صلى الله عليه وسلم - ذكر ما سيفعله أهل العراق في زكاتهم مع ذكره ما سيفعله أهل الشام في زكاتهم .

                                                حدثنا علي بن عبد العزيز البغدادي ، قال : ثنا أحمد بن يونس .

                                                وحدثنا ابن أبي داود ، قال : ثنا الوحاظي .

                                                وحدثنا فهد ، قال : ثنا أبو غسان ، قالوا : ثنا زهير بن معاوية ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله [ - صلى الله عليه وسلم - ] ، : " منعت العراق قفيزها ودرهمها ، ومنعت الشام مديها ودينارها ، ومنعت مصر [ ص: 56 ] إردبها ودينارها ، (وعدتم كما بدأتم ، وعدتم كما بدأتم) شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه" . ،

                                                يزيد بعضهم على بعض في قصة الحديث ، فهذا رسول الله - عليه السلام - قد ذكر ما سيفعله أهل العراق من منع الزكاة قبل أن يكون عراق ، وذكر مثل ذلك في الشام وأهل مصر ، قبل أن يكون الشام ومصر ، لما أعلمه الله تعالى من كونهما بعده ، فكذلك ما ذكره من التوقيت لأهل العراق مع ذكره التوقيت لغيرهم المذكورين ، هو لما أخبره الله أنه سيكون من بعده ، وهذا الذي ذكرناه من تثبيت هذه المواقيت التي وصفنا لأهل العراق ولمن ذكرنا معهم هو قول أبي حنيفة 5 وأبى يوسف 5 ومحمد - رحمهم الله - .

                                                التالي السابق


                                                ش: هذا السؤال وجوابه ظاهران ، وقد ذكرنا نبذة عنه في هذا الباب .

                                                قوله : "والشام إنما افتتحت" الواو فيه للحال ، وفتحت الشام في سنة اثنتي عشرة من الهجرة .

                                                قوله : "فإن كان يريد" أي هذا القائل .

                                                قوله : "مثل جبلي طيئ" أحد الجبلين سمي أجأ على وزن فعل بالتحريك ، والآخر يسمى سلمى ، وأما طيئ فقد قال الجوهري : هو أبو قبيلة من اليمن ، وهو طيئ بن أدد بن كهلان بن سبأ بن حمير ، والنسبة إليه طائي على غير قياس ، وأصله طيئي مثال طبيعي ، فقلبوا الياء ألفا وحذفوا الثانية ، وقال : الطاءة مثل الطاعة : الإبعاد في المرعى ، يقال : فرس بعيد الطاءة ، قالوا : ومنه أخذ طيئ مثال سيد .

                                                وقال الرشاطي في الأنساب" : الطائي في كهلان ينسب إلى طيئ واسمه جلهمة بن أدد ، وحكى ابن دريد عن الخليل بن أحمد قال : أصل طيئ من طاوي وواو وياء ، فقلبوا الواو ياء فصارت ياء ثقيلة ، وكان ابن الكلبي يقول : سمي طيئا لأنه أول من طوى المناهل ، وقال قطرب : هو فيعل بهمزة لاجتماع الياءين .

                                                [ ص: 57 ] وقال السيرافي : ذكر بعض النحويين أن طيئا من الطاءة وهو الذهاب في الأرض وفي المرعى ، وإلى هذا القول ذهب أبو الحسن بن سيده ، وقال : ليس هذا القول بشيء لأن طوى طيا لا أصل له من الهمزة .

                                                ثم إنه أخرج حديث أبي هريرة من ثلاث طرق صحاح :

                                                الأول : عن علي بن عبد العزيز البغدادي ، عن أحمد بن عبد الله بن يونس شيخ البخاري ، عن زهير بن معاوية ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه أبي صالح ذكوان الزيات ، عن أبي هريرة .

                                                وأخرجه مسلم : ثنا عبيد بن يعيش ، وإسحاق بن إبراهيم - واللفظ لعبيد - ثنا يحيى بن آدم بن سليمان مولى خالد بن خلاد ، قال : ثنا زهير ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - عليه السلام - : "منعت العراق درهمها وقفيزها ، ومنعت الشام مديها ودينارها ، ومنعت مصر إردبها ودينارها ، وعدتم من حيث بدأتم ، وعدتم من حيث بدأتم ، وعدتم من حيث بدأتم ، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه" .

                                                الثاني : عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن يحيى بن صالح الوحاظي شيخ البخاري ، عن زهير بن معاوية . . إلى آخره .

                                                الثالث : عن فهد بن سليمان ، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري ، عن زهير بن معاوية . . . . إلى آخره .

                                                قوله : "منعت العراق درهمها وقفيزها" قيل : معناه أنهم يسلمون فيسقط عنهم الخراج ، وقيل : معناه أنهم يرجعون عن الطاعة ولا يؤدون الخراج المضروب عليهم ، ولهذا قال : "وعدتم من حيث بدأتم" أي ورجعتم إلى ما كنتم عليه قبل ذلك .

                                                [ ص: 58 ] كما ثبت في "صحيح مسلم " : "إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا ، فطوبى للغرباء" .

                                                ورجح البيهقي المعنى الأول .

                                                وقيل : معناه أنه إخبار عن حالها حينئذ ؛ لأن خراجها ومنافعها لم تصل إليه .

                                                وقيل : إن أهلها اقتصروا على أنفسهم ومنعوا الميرة .

                                                و "القفيز" مكيال يتواضع الناس عليه ، وهو عند أهل العراق ثمانية مكاكيك ، والمكوك المد ، وقيل : الصالح ، ويقال : المكوك اسم للمكيال ، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلد .

                                                و "المد" ربع الصاع ، وهو رطل وثلث بالعراقي عند الشافعي وأهل الحجاز ، وهو رطلان عند أبي حنيفة وأهل العراق ، وقد مر الكلام فيه في باب : صدقة الفطر .

                                                و "الأردب" مكيال لأهل مصر يسع أربعة وعشرين صاعا ، والهمزة فيه زائدة ، قاله ابن الأثير .

                                                وقال الجوهري : الأردب مكيال ضخم لأهل مصر ، وذكره صاحب "دستور اللغة" في باب الهمزة المكسورة ، وذكر غيره أيضا أن الأردب بكسر الهمزة ، وفي لسان العامة بفتحها ، وهي ست وقيات ، والوقية ستة عشر قدحا ، فتكون الجملة ستة وتسعين قدحا ، والقدح مكيال معروف عند أهل مصر .

                                                وفيه من دلائل النبوة حيث أخبر عما ضربه عمر - رضي الله عنه - على أرض العراق من الدراهم والقفزان ، وعما ضرب من الخراج بالشام ومصر قبل وجود ذلك ، فإن هذه البلاد لم تفتح إلا في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أما العراق فإن أبا بكر - رضي الله عنه - بعث خالد بن الوليد في سنة ثنتي عشرة من الهجرة إلى العراق ، ففتح الأبلة ثم الأنبار ، ثم ولى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين آلت إليه الخلافة [ ص: 59 ] سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أميرا على العراق ، ففتح المدائن وغيرها في سنة ست عشرة ، وفتحت مصر في سنة عشرين .

                                                قاله ابن إسحاق والواقدي .

                                                وقال الواقدي : وكذا فتحت إسكندرية في سنة عشرين .

                                                وقال أبو معشر : فتحت مصر في سنة عشرين ، وإسكندرية في سنة خمس وعشرين .

                                                وقال سيف : فتحت مصر وإسكندرية في سنة ست عشرة في ربيع الأول منها .




                                                الخدمات العلمية