الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 314 ] قال ( ومن اشترى جارية فولدت ولدا عنده فاستحقها رجل غرم الأب قيمة الولد يوم يخاصم ) لأنه ولد المغرور فإن المغرور من يطأ امرأة معتمدا على ملك يمين أو نكاح فتلد منه ثم تستحق ، وولد المغرور حر بالقيمة بإجماع الصحابة رضي الله عنهم ، [ ص: 315 ] ولأن النظر من الجانبين واجب فيجعل الولد حر الأصل في حق أبيه رقيقا في حق مدعيه نظرا لهما ، ثم الولد حاصل في يده من غير صنعه فلا يضمنه إلا بالمنع كما في ولد المغصوبة ، فلهذا تعتبر قيمة الولد يوم الخصومة لأنه يوم المنع ( ولو مات الولد لا شيء على الأب ) لانعدام المنع ، وكذا لو ترك مالا لأن الإرث ليس ببدل عنه ، والمال لأبيه لأنه حر الأصل في حقه فيرثه ( ولو قتله الأب يغرم قيمته ) لوجود المنع وكذا لو قتله غيره فأخذ ديته ، [ ص: 316 ] لأن سلامة بدله له كسلامته ، ومنع بدله كمنعه فيغرم قيمته كما إذا كان حيا ( ويرجع بقيمة الولد على بائعه ) لأنه ضمن له سلامته كما يرجع بثمنه ، بخلاف العقر لأنه لزمه لاستيفاء منافعها فلا يرجع به على البائع ، والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


( قال ) أي محمد في الجامع الصغير في كتاب القضاء : ( ومن اشترى جارية فولدت ولدا عنده ) يعني ولدت ولدا من المشتري ( فاستحقها رجل غرم الأب قيمة الولد يوم يخاصم ) وكذا إذا ملكها بسبب آخر غير الشراء أي سبب كان ، وكذا إذا تزوجها على أنها حرة فولدت له ثم استحقت نص عليه الإمام الزيلعي في شرح الكنز وسيفهم من نفس الكتاب ( لأنه ولد المغرور ، فإن المغرور من يطأ امرأة معتمدا على ملك يمين ) بأي سبب كان مثل الشراء والهبة والصدقة والوصية ، كذا في معراج الدراية وغيرها ( أو نكاح ) عطف على يمين .

والمعنى أو معتمدا على ملك نكاح ( فتلد منه ) أي تلد المرأة ممن يطؤها ( ثم تستحق ) بأن يظهر بالبينة كونها أمة ، هنا تم تفسير ولد المغرور

( وولد المغرور حر بالقيمة بإجماع الصحابة رضي الله عنهم ) فإنه لا خلاف بين الصدر الأول وفقهاء الأمصار أن ولد المغرور حر الأصل ، ولا خلاف أيضا بين السلف أنه مضمون على الأب إلا أن السلف اختلفوا في كيفية ضمانه ، فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : يفك الغلام بالغلام والجارية بالجارية : يعني إن كان الولد غلاما فعلى الأب غلام مثله ، وإن كان جارية فعليه جارية مثلها .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : عليه قيمة الولد ، وإليه ذهب أصحابنا لأنه قد ثبت بالنص أن الحيوان لا يكون مضمونا بالمثل . وتأويل حديث عمر رضي الله تعالى عنه : يفك الغلام بقيمة الغلام والجارية بقيمة الجارية ، كذا في العناية . أقول : يرد على ظاهره أن اختلاف السلف في كيفية ضمان ولد المغرور ، وقول عمر رضي الله عنه بضمان مثله دون قيمته ينافي ما ذكره المصنف من أن ولد المغرور حر بالقيمة بإجماع الصحابة ، فكيف يصلح ما ذكر في العناية لأن يكون شرحا وبيانا لما ذكره المصنف ؟ ويمكن الجواب عنه بأن يقال : إن اختلافهم في كيفية ضمانه اختلاف بحسب الظاهر دون الحقيقة بناء على احتمال أن يكون المراد بحديث عمر رضي الله عنه : يفك الغلام بقيمة الغلام والجارية بقيمة الجارية .

فحاصل الشرح [ ص: 315 ] والبيان هاهنا أن السلف وإن اختلفوا في كيفية ضمانه بحسب الظاهر من أقوالهم إلا أن الخلاف مرتفع في الحقيقة بتأويل كلام عمر رضي الله عنه تبيين مرامه على وفق ما يقتضيه النص الدال على أن الحيوان لا يكون مضمونا بالمثل ( ولأن النظر من الجانبين واجب ) إذ المغرور بنى أمره على سبيل صحيح في الشرع فاستوجب النظر ، والأمة ملك المستحق والولد متفرع عن ملكه فاستوجب النظر أيضا فوجب الجمع بين حقيهما بقدر الإمكان ، وذا بأن يحيى حق المستحق في معنى المملوك ويحيى حق المغرور في صورته ، كذا في الكافي ( فيجعل الولد حر الأصل في حق أبيه رقيقا في حق مدعيه نظرا لهما ) ودفعا للضرر عنهما ( ثم الولد حاصل في يده ) أي في يد المغرور ( من غير صنعه ) أي من غير تعد منه ، كذا في العناية ( فلا يضمنه إلا بالمنع كما في ولد المغصوبة ) فإنه أمانة في يد الغاصب عندنا لا يضمنه الغاصب إلا بالمنع ( فلهذا ) أي فلأن المغرور لا يضمن الولد إلا بالمنع ( تعتبر قيمة الولد يوم الخصومة لأنه يوم المنع ) وذكر في شرح الطحاوي يغرم قيمة الولد يوم القضاء لأن الولد يعلق في حق المستولد حرا ويعلق في حق المستحق رقيقا فلا يتحول حقه من العين إلى البدل إلا بالقضاء فيعتبر قيمة الولد يوم القضاء كذلك ، كذا في النهاية ومعراج الدراية .

ثم علم أن ولد المغرور إنما يكون حرا بالقيمة إذا كان المغرور حرا ، أما إذا كان مكاتبا أو عبدا مأذونا له في التزوج يكون ولده عبدا للمستحق خلافا لمحمد ، وسيجيء ذلك في كتاب المكاتب كذا في غاية البيان ( ولو مات الولد ) يعني لو مات ولد المغرور قبل الخصومة ( لا شيء على الأب ) أي ليس على الأب شيء من قيمته ( لانعدام المنع ) إذ المنع إنما يتصور بعد الطلب ، فإذا هلك قبل الطلب لم يوجد سبب ضمانه فلا يضمن ، كما لو هلك ولد المغصوبة عند الغاصب فإنه لا يضمن قيمته ، كذا في الكافي ( وكذا لو ترك مالا ) أي وكذا لو ترك ولد المغرور مالا ميراثا لأبيه فأخذه أبوه لا يجب على الأب للمستحق من قيمة الولد شيء ; لأن المنع لم يتحقق ، لا عن الولد لما مر ولا عن بدله ( لأن الإرث ليس ببدله عنه ) فلم يجعل سلامة الإرث كسلامة نفسه ( والمال لأبيه ; لأنه ) أي الولد ( حر الأصل في حقه ) أي في حق أبيه كما مر ( فيرثه ) فإن قيل : الولد وإن كان حر الأصل في حق أبيه إلا أنه رقيق في حق مدعيه فينبغي أن يكون المال مشتركا بينهم .

قلنا : الولد علق حر الأصل في حق المدعي أيضا ، ولهذا لا يكون الولاء له . وإنما قدرنا الرق في حقه ضرورة القضاء بالقيمة والثابت بالضرورة لا يعدو موضعها ، كذا في الشروح والكافي . أقول : ينافي هذا الجواب ظاهر ما ذكر في شرح الطحاوي على ما نقلناه آنفا فليتأمل في التوفيق أو الترجيح ( ولو قتله الأب يغرم قيمته ) أي يضمنها ( لوجود المنع ) بالقتل ( وكذا لو قتله غيره [ ص: 316 ] فأخذ ديته ) أي فأخذ الأب ديته ( لأن سلامة بدله له ) أي لأن سلامة بدل الولد وهو ديته للأب ( كسلامته ) أي كسلامة الولد نفسه ( ومنع بدله كمنعه ) أي ومنع بدل الولد كمنع الولد نفسه ( فيغرم قيمته كما إذا كان حيا ) وأما إذا لم يأخذ الأب ديته من القاتل فلا يضمن شيئا لأنه لم يمنع الولد أصلا : أي لا حقيقة ولا حكما ، نص عليه فخر الدين قاضي خان وغيره في شروح الجامع الصغير .

وذكر في المبسوط : فإن قضى له بالدية فلم يقبضها لم يؤخذ بالقيمة ; لأن المنع لم يتحقق فيما لم يصل إلى يده من البدل ، فإن قبض من الدية قدر قيمة المقتول قضى عليه بالقيمة للمستحق ; لأن المنع تحقق بوصول يده إلى البدل فيكون منعه قدر قيمة الولد كمنعه الولد ، كذا في النهاية والكفاية ( ويرجع بقيمة الولد على بائعه ) أي ويرجع الأب بما غرم من قيمة الولد على بائعه لأنه أي بائعه ( ضمن له ) أي للمشتري ( سلامته ) أي سلامة المبيع عن العيب ولا عيب فوق الاستحقاق ، كذا في معراج الدراية ، ويساعده تقرير صاحب النهاية .

أقول : يرد على ظاهر هذا الشرح أنه لا شبهة في أن البائع ضامن للمشتري سلامة المبيع عن العيب ، إلا أن المبيع في مسألتنا هي الأم دون الولد فلا يتم التقريب ، فكأن كثيرا من الشراح قصدوا دفع هذا فقالوا في بيان قول المصنف : لأنه ضمن له سلامته : يعني أن الولد جزء الأم والبائع قد ضمن للمشتري سلامة المبيع بجميع أجزائه انتهى .

أقول : ويرد على هذا الشرح أن البائع إنما ضمن للمشتري سلامة المبيع بجميع أجزائه الموجودة عند البيع لا بجزئه الذي يحدث بعد البيع ; لأن مثل هذا الجزء معدوم حين البيع ولا يصح إدخال المعدوم في عقد البيع أصلا فضلا عن ضمان سلامته عن العيب ، ولا شك أن الولد في مسألتنا ممن حدث بعد البيع . والحق عندي في هذا المقام أن يطرح حديث الجزئية من البين ويقال في بيان مراد المصنف من قوله المذكور : إن البائع ضمن للمشتري سلامة الولد بواسطة ضمانه سلامة المبيع الذي هو الأم عن العيب ، فإن كون ولد الجارية غير سالم عن عيب الاستحقاق عيب لنفس الجارية أيضا لأن من منافعها الاستيلاد وكون ولدها من مولاها حر الأصل من غير أن يستحقه أحد فكانت سلامتها عن العيب مستلزمة لسلامة ولدها فضمان البائع سلامتها ضمان لسلامته ( كما يرجع بثمنه ) قال صاحب الكفاية : أي بالثمن الذي أداه المشتري إلى البائع فالضمير للمشتري .

وقيل بثمن المشتري إذا استحق أو بثمن الولد لو تصور شراؤه واستحقه أحد انتهى . واختار صاحب العناية من بين هذه المعاني الثلاثة المعنى الوسطاني حيث قال : كما يرجع بثمنه : أي بثمن المبيع وهو الأم لأن الغرور شملها انتهى .

وأقول : لا يخفى على ذي فطرة سليمة أن هذا هو المعنى الوجيه هاهنا ، ولكن في تذكير الضمير هاهنا نوع عدول عن الظاهر ولهذا قال في الوقاية وغيرها : ورجع بها كثمنها بتأنيث الضمير : أي ورجع بقيمة الولد كثمن الأم ( بخلاف العقر ) يعني أن المغرور لا يرجع على بائعه بعقر وجب عليه وأخذ منه المستحق ( لأنه ) أي لأن العقر ( لزمه ) أي لزم المغرور ( لاستيفاء منافعها ) أي لاستيفاء منافع الجارية المستحقة : أي منافع بضعها ( فلا يرجع به على البائع ) إذ لو رجع به سلم له المستوفى مجانا ، والوطء في ملك الغير لا يجوز أن يسلم للواطئ مجانا ، كذا في النهاية وغيرها .




الخدمات العلمية