الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما الصلاة المسنونة فهي السنن المعهودة للصلوات المكتوبة ، والكلام فيها يقع في مواضع : في بيان مواقيت هذه السنن ، ومقاديرها جملة وتفصيلا ، وفي بيان صفة القراءة فيها ، وفي بيان ما يكره فيها ، وفي بيان أنها إذا فاتت عن وقتها هل تقضى أم لا ؟ أما الأول فوقت جملتها وقت المكتوبات ; لأنها توابع للمكتوبات فكانت تابعة لها في الوقت ، ومقدار جملتها اثنتا عشرة ركعة : ركعتان وأربع ، وركعتان وركعتان ، وركعتان في ظاهر الرواية .

وأما مقدار كل واحدة منها ، ووقتها على التفصيل : فركعتان قبل الفجر ، وأربع قبل الظهر لا يسلم إلا في آخرهن ، وركعتان بعده ، وركعتان بعد المغرب ، وركعتان بعد العشاء كذا ذكر محمد في الأصل ، وذكر في العصر والعشاء إن تطوع بأربع قبله فحسن ، وذكر الكرخي هكذا إلا أنه قال في العصر : وأربع قبل العصر ، وفي العشاء وأربع بعد العشاء ، وروى الحسن عن أبي حنيفة وركعتان قبل العصر ، والعمل فيما روينا على المذكور في الأصل .

والأصل في السنن ما روي عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة : ركعتين قبل الفجر ، وأربع قبل الظهر ، وركعتين بعدها ، وركعتين بعد العشاء ، } ، وقد واظب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ولم يترك شيئا منها إلا مرة أو مرتين لعذر وهذا تفسير السنة ، وأقوى السنن ركعتا الفجر لورود الشرع بالترغيب فيهما ما لم يرد في غيرهما فإنه روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها } وعن ابن عباس في تأويل قوله تعالى { وإدبار النجوم } أنه ركعتا الفجر وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { صلوهما فإن فيهما لرغائب } .

وروي عنه أنه قال : { صلوهما ولو طردتكم الخيل } وروى جماعة من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه { كان يصلي بعد الزوال في كل يوم أربع ركعات } منهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه [ ص: 285 ] وروى عنه أيضا قولا على ما نذكر وعن عبيدة السلماني أنه قال ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء كاجتماعهم على محافظة الأربع قبل الظهر وتحريم نكاح الأخت في عدة الأخت ثم في هذه الأربع بتسليمة واحدة عندنا ، وعند الشافعي بتسليمتين واحتج بحديث ابن عمر رضي الله عنه أنه ذكر اثنتي عشرة ركعة كما ذكرت عائشة إلا أنه زاد وأربعا قبل الظهر بتسليمتين ، ولنا حديث أبي أيوب الأنصاري أنه قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعد الزوال أربع ركعات فقلت : ما هذه الصلاة التي تداوم عليها يا رسول الله ؟ فقال : هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح فقلت : أفي كلهن قراءة ؟ قال : نعم فقلت : بتسليمة أم بتسليمتين ؟ فقال بتسليمة واحدة } ، وهذا نص في الباب ، والتسليم في حديث ابن عمر عبارة عن التشهد ; لما فيه من السلام كما فيه من الشهادة على ما مر ، وإنما ذكر في الأصل في التطوع بالأربع قبل العصر حسن ; لأن كون الأربع من السنن الراتبة غير ثابت ; لأنها لم تذكر في حديث عائشة ، ولم يرو أنه صلى الله عليه وسلم كان يواظب على ذلك ; ولذا اختلفت الروايات في فصله إياها .

وروي في بعضها أنه صلى أربعا ، وفي بعضها ركعتين فإن صلى أربعا كان حسنا لحديث أم حبيبة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { من صلى أربع ركعات قبل العصر كانت له جنة من النار } وذكر في الأصل وإن تطوع بعد المغرب بست ركعات كتب من الأوابين وتلا قوله تعالى { إنه كان للأوابين غفورا } ، وإنما قال في الأصل : إن التطوع بالأربع قبل العشاء حسن ; لأن التطوع بها لم يثبت أنه من السنن الراتبة ، ولو فعل ذلك فحسن ; لأن العشاء نظير الظهر في أنه يجوز التطوع قبلها وبعدها ، ووجه رواية الكرخي في الأربع بعد العشاء ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { من صلى بعد العشاء أربع ركعات كن له كمثلهن من ليلة القدر } وروي عن عائشة أنها { سئلت عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليالي رمضان فقالت : كان قيامه في رمضان وغيره سواء ، كان يصلي بعد العشاء أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم أربعا لا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم كان يوتر بثلاث } .

وأما السنة قبل الجمعة وبعدها فقد ذكر في الأصل : وأربع قبل الجمعة ، وأربع بعدها ، وكذا ذكر الكرخي ، وذكر الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال يصلي بعدها ستا وقيل : هو مذهب علي رضي الله عنه وما ذكرنا أنه كان يصلي أربعا مذهب ابن مسعود ، وذكر محمد في كتاب الصوم أن المعتكف يمكث في المسجد الجامع مقدار ما يصلي أربع ركعات ، أو ست ركعات أما الأربع قبل الجمعة ; فلما روي عن ابن عمر رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطوع قبل الجمعة بأربع ركعات } ; ولأن الجمعة نظير الظهر ، ثم التطوع قبل الظهر أربع ركعات كذا قبلها .

وأما بعد الجمعة فوجه قول أبي يوسف إن فيما قلنا جمعا بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين فعله فإنه روي { أنه أمر بالأربع بعد الجمعة } وروي أنه { صلى ركعتين بعد الجمعة } ، فجمعنا بين قوله وفعله قال أبو يوسف : ينبغي أن يصلي أربعا ، ثم ركعتين كذا روي عن علي رضي الله عنه كي لا يصير متطوعا بعد صلاة الفرض بمثلها ، وجه ظاهر الرواية ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا } وما روي من فعله صلى الله عليه وسلم فليس فيه ما يدل على المواظبة ، ونحن لا نمنع من يصلي بعدها كم شاء ، غير أنا نقول : السنة بعدها أربع ركعات لا غير ; لما روينا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث