الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة

جزء التالي صفحة
السابق

وأجمع فقهاء الأمصار على أنه لا تجوز الزيادة على أربع . والظاهر أنه لا يباح النكاح مثنى أو ثلاث أو رباع إلا لمن خاف الجور في اليتامى لأجل تعليقه عليه ، أما من لم يخف فمفهوم الشرط يدل على أنه لا يجوز له ذلك ، والإجماع على خلاف ما دل عليه الظاهر من اختصاص الإباحة بمن خاف الجور . أجمع المسلمون على أن من لم يخف الجور في أموال اليتامى يجوز له أن ينكح أكثر من واحدة ثنتين وثلاثا وأربعا كمن خاف . فدل على أن الآية جواب لمن خاف ذلك ، وحكمها أعم .

وقرأ النخعي وابن وثاب : ( وربع ) ساقطة الألف ، كما حذفت في قوله : ( وحليانا بردا ) يريد باردا . وإذا أعربنا ( ما ) من ( ما طاب ) مفعولة - وتكون موصولة - فانتصاب ( مثنى ) وما بعده على الحال منها ، وقال أبو البقاء : حال من النساء . وقال ابن عطية : موضعها من الإعراب نصب على البدل من ( ما طاب ) ، وهي نكرات لا تتصرف لأنها معدولة وصفة . انتهى . وهما إعرابان ضعيفان . أما الأول فلأن المحدث عنه هو ( ما طاب ) ، و ( من النساء ) جاء على سبيل التبيين وليس محدثا عنه ، فلا يكون الحال منه ، وإن كان يلزم من تقييده بالحال تقييد المنكوحات . وأما الثاني فالبدل هو على نية تكرار العامل ، فيلزم من ذلك أن يباشرها العامل . وقد تقرر في المفردات أنها لا يباشرها العامل . وأيضا فإنه قال : إنها نكرة وصفة ، وما كان نكرة وصفة فإنه إذا جاء تابعا لنكرة كان صفة لها كقوله تعالى : ( أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ) وما وقع صفة للنكرة وقع حالا للمعرفة . و ( ما طاب ) معرفة ، فلزم أن يكون ( مثنى ) حالا .

( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ) أي ألا تعدلوا بين ثنتين إن نكحتموهما ، أو بين ثلاث أو أربع إن نكحتموهن في القسم أو النفقة أو الكسوة ، فاختاروا واحدة أو ما ملكت أيمانكم ، هذا إن حملنا ( فانكحوا ) على [ ص: 164 ] تزوجوا ، وإن حملناه على الوطء قدرنا الفعل الناصب لقوله فواحدة : فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم . ويحتمل أن يكون من باب ( علفتها تبنا وماء باردا ) على أحد التخريجين فيه ، والتقدير : فانكحوا ، أي : تزوجوا واحدة ، أو طئوا ما ملكت أيمانكم . ولم يقيد مملوكات اليمين بعدد ، فيجوز أن يطأ ما شاء منهن لأنه لا يجب العدل بينهن لا في القسم ولا في النفقة ولا في الكسوة . وقرأ الحسن والجحدري وأبو جعفر وابن هرمز : ( فواحدة ) بالرفع . ووجه ذلك ابن عطية على أنه مرفوع بالابتداء ، والخبر مقدر أي : فواحدة كافية . ووجهه الزمخشري على أنه مرفوع على الخبر ، أي : فالمقنع ، أو فحسبكم واحدة ، أو ما ملكت أيمانكم . و ( أو ) هنا لأحد الشيئين : إما على التخيير ، وإما على الإباحة .

وروي عن أبي عمرو : فما ملكت أيمانكم ، يريد به الإماء ، والمعنى على هذا : إن خاف أن لا يعدل في عشرة واحدة فما ملكت يمينه . وقرأ ابن أبي عبلة : ( أو من ملكت أيمانكم ) ، وأسند الملك إلى اليمين ؛ لأنها صفة مدح ، واليمين مخصوصة بالمحاسن . ألا ترى أنها هي المنفقة في قوله : ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) وهي المعاهدة والمتلقية لرايات المجد ، والمأمور في تناول المأكول بالأكل بها ، والمنهي عن الاستنجاء بها . وهذان شرطان مستقلان ، لكل واحد منهما جواب مستقل ، فأول الشرطين : وإن خفتم ألا تقسطوا ، وجوابه : فانكحوا . صرف من خاف من الجور في نكاح اليتامى إلى نكاح البالغات منهن ومن غيرهن ، وذكر تلك الأعداد . وثاني الشرطين قوله : فإن خفتم ألا تعدلوا وجوابه : فواحدة أو ما ملكت أيمانكم صرف من خاف من الجور في نكاح ما ذكر من العدد إلى نكاح واحدة ، أو تسر بما ملك ، وذلك على سبيل اللطف بالمكلف والرفق به ، والتعطف على النساء والنظر لهن .

وذهب بعض الناس إلى أن هذه الجمل اشتملت على شرط واحد ، وجملة اعتراض . فالشرط : وإن خفتم ألا تقسطوا ، وجوابه : فواحدة . وجملة الاعتراض قوله : فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ، وكرر الشرط بقوله : فإن خفتم ألا تعدلوا . لما طال الكلام بالاعتراض ، إذ معناه : كما جاء في فلما جاءهم ما عرفوا بعد قوله : ولما جاءهم كتاب من عند الله إذ طال الفصل بين ( لما ) وجوابها ، فأعيدت . وكذلك ( فلا تحسبنهم بمفازة ) بعد قوله : ( لا تحسبن الذين يفرحون ) إذ طال الفصل بما بعده ، بين : ( لا تحسبن ) ، وبين ( بمفازة ) ، فأعيدت الجملة ، وصار المعنى على هذا التقدير : إن لم تستطيعوا أن تعدلوا فانكحوا واحدة . قال : وقد ثبت أنهم لا يستطيعون العدل بقوله : ( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) انتهى هذا القول ، وهو منسوب إلى أبي علي . ولعله لا يصح عنه ، فإن أبا علي كان من علم النحو بمكان ، وهذا القول فيه إفساد نظم القرآن التركيبي ، وبطلان للأحكام الشرعية ؛ لأنه إذا أنتج من الآيتين هذه وقوله ولن تستطيعوا بما نتج من الدلالة - اقتضى أنه لا يجوز أن يتزوج غير واحدة ، أو يتسرى بما ملكت يمينه . ويبقى هذا الفصل بالاعتراض بين الشرط وبين جوابه لغوا لا فائدة له على زعمه . والعدل المنفي استطاعته غير هذا العدل المنفي هنا ، ذاك عدل في ميل القلب وقد رفع الحرج فيه عن الإنسان ، وهذا عدل في القسم والنفقة . ولذلك نفيت هناك استطاعته ، وعلق هنا على خوف انتفائه ؛ لأن الخوف فيه رجاء وظن غالبا . وانتزع الشافعي من قوله : فواحدة أو ما ملكت أيمانكم أن الاشتغال بنوافل العبادات أفضل من الاشتغال بالنكاح ، خلافا لأبي حنيفة ، إذ عكس . ووجه انتزاعه ذلك واستدلاله بالآية أنه تعالى خير بين تزوج الواحدة والتسري ، والتخيير بين الشيئين مشعر بالمساواة بينهما في الحكمة المطلوبة ، والحكمة سكون النفس بالأزواج ، وتحصين الدين ومصالح البيت ، وكل ذلك حاصل بالطريقين ، وأجمعنا على أن الاشتغال بالنوافل أفضل من التسري ، فوجب أن يكون أفضل من [ ص: 165 ] النكاح ، لأن الزائد على المتساويين يكون زائدا على المساوي الثاني لا محالة .

( ذلك أدنى ألا تعولوا ) الإشارة إلى اختيار الحرة الواحدة والأمة . أدنى : من الدنو ، أي : أقرب . أن لا تعولوا ، أي : أن لا تميلوا عن الحق . قاله ابن عباس ، والسدي ، و الربيع بن أنس ، وأبو مالك ، والسدي . وقال مجاهد : لا تضلوا . وقال النخعي : لا تخونوا .

وقالت فرقة ، منهم زيد بن أسلم ، وابن زيد ، والشافعي : معناه لا يكثر عيالكم . وقد رد على الشافعي في هذا القول من جهة المعنى ومن جهة اللفظ ، أما من جهة المعنى فقال أبو بكر بن داود ، والرازي ما معناه : غلط الشافعي ، لأن صاحب الإماء في العيال كصاحب الأزواج . وقال الزجاج : إن الله قد أباح كثرة السراري ، وفي ذلك تكثير العيال ، فكيف يكون أقرب إلى ألا يكثروا ؟ وقال صاحب النظم : قال أو لا أن لا تعدلوا فيجب أن يكون ضد العدل هو الجور ، وأما من جهة اللفظ ويقتضي أيضا الرد من جهة المعنى ، فتفسير الشافعي تعولوا بتعيلوا . وقالوا : يقال أعال يعيل إذا كثر عياله ، فهو من ذوات الياء لا من ذوات الواو ، فقد اختلفا في المادة ، فليس معنى تعولوا تعيلوا . وقال الرازي أيضا عن الشافعي : إنه خالف المفسرين . وما قاله ليس بصحيح ، بل قد قال بمقالته زيد بن أسلم وابن زيد كما قدمناه وغيرهم . وأما تفسيره تعولوا بتعيلوا فليس فيه دليل على أنه أراد أن تعولوا وتعيلوا من مادة واحدة ، وأنهما يجمعهما اشتقاق واحد ، بل قد يكون اللفظان في معنى واحد ولا يجمعهما اشتقاق واحد ، نحو قولهم : دمت ودشير ، وسبط وسبطة ، فكذلك هذا .

وقد نقل عال الرجل يعول - أي كثر عياله - ابن الأعرابي ، كما ذكرناه في المفردات . ونقله أيضا الكسائي ، قال : وهي لغة فصيحة . قال الكسائي : العرب تقول : عال يعول ، وأعال يعيل كثر عياله ، ونقلها أيضا أبو عمرو الدوري المقري وكان إماما في اللغة غير مدافع ، قال : هي لغة حمير .

وأنشد أبو عمرو حجة لها :


وإن الموت يأخذ كل حي بلا شك وإن أمشى وعالا



أمشى كثرت ماشيته ، وعال : كثر عياله . وجعل الزمخشري كلام الشافعي وتفسيره ( تعولوا ) : تكثر عيالكم على أن جعله من قولك : عال الرجل عياله يعولهم . وقال : لا يظن به أنه حول تعيلوا إلى تعولوا ، وأثنى على الشافعي بأنه كان أعلى كعبا وأطول باعا في كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا .

قال : ولكن للعلماء طرقا وأساليب ، فسلك في تفسير هذه الكلمة طريقة الكنايات . وأما ما رد به ابن داود والرازي والزجاج ، فقال ابن عطية : هذا القدح - يشير إلى قدح الزجاج - غير صحيح ، لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع ، وإنما العيال القادح الحرائر ذوات الحقوق الواجبة .

وقال الزمخشري : الغرض بالتزوج التوالد والتناسل ، بخلاف التسري . ولذلك جاز العزل عن السراري بغير إذنهن ، فكان التسري مظنة لقلة الولد بالإضافة إلى التزوج ، والواحدة بالإضافة إلى تزوج الأربع . وقال القفال : إذا كثرت الجواري فله أن يكلفهن الكسب فينفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا ، وتقل العيال . أما إذا كانت حرة فلا يكون الأمر كذلك ، انتهى . وروي عن الشافعي أيضا أنه فسر قوله تعالى : أن لا تعولوا بمعنى أن لا تفتقروا ، ولا يريد أن تعولوا من مادة تعيلوا ، من عال يعيل إذا افتقر ، إنما يريد أيضا الكناية ، لأن كثرة العيال يتسبب عنها الفقر . والظاهر أن المعنى : أن اختيار الحرة الواحدة أو الأمة أقرب إلى انتفاء الجور ، إذ هو المحذور المعلق على خوفه الاختيار المذكور . أي : عبر عن قوله : أن لا تعولوا بأن لا يكثر عيالكم ، فإنه عبر عن المسبب بالسبب ، لأن كثرة العيال ينشأ عنه الجور .

وقرأ طلحة : ( أن لا تعيلوا ) ، بفتح التاء ، أي : لا تفتقروا من العيلة ؛ كقوله : ( وإن خفتم عيلة ) وقال الشاعر :

[ ص: 166 ]

فما يدري الفقير متى غناه     ولا يدري الغني متى يعيل



وقرأ طاوس : ( أن لا تعيلوا ) من أعال الرجل إذا كثر عياله ، وهذه القراءة تعضد تفسير الشافعي من حيث المعنى الذي قصده . و ( أن ) تتعلق بأدنى ، وهي في موضع نصب أو جر على الخلاف ، إذ التقدير : أدنى إلى ألا تعولوا . وأفعل التفضيل إذا كان الفعل يتعدى بحرف جر يتعدى هو إليه . تقول : دنوت إلى كذا ، فلذلك كان التقدير أدنى إلى أن تعولوا . ويجوز أن يكون الحرف المحذوف لام الجر ، لأنك تقول : دنوت لكذا .

( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) الظاهر : أن الخطاب للأزواج ؛ لأن الخطاب قبله لهم ، قاله ابن عباس ، والسدي ، وابن زيد ، وابن جريج . قيل : كان الرجل يتزوج بلا مهر ، يقول : أرثك وترثيني ، فتقول : نعم . فأمروا أن يسرعوا إعطاء المهور . وقيل : الخطاب لأولياء النساء ، وكانت عادة بعض العرب أن يأكل ولي المرأة مهرها ، فرفع الله ذلك بالإسلام . قاله أبو صالح ، واختاره الفراء وابن قتيبة . وقيل : المراد بالآية ترك ما كان يفعله المتشاغرون من تزويج امرأة بأخرى ، وأمروا بضرب المهور ، قاله حضرمي ، والأمر بإيتاء النساء صدقاتهن نحلة يتناول هذه الصور كلها .

والصدقات المهور . قال ابن عباس ، وابن جريج ، وابن زيد ، والسدي : ( نحلة ) فريضة . وقيل : عطية تمليك ، قاله أبو الكلبي والفراء . وقيل : شرعة ودينا ، قاله ابن الأعرابي . قال الراغب : والنحلة أخص من الهبة ، إذ كل هبة نحلة ولا ينعكس ، وسمي الصداق نحلة من حيث لا يجب في مقابلته أكثر من تمتع دون عوض مالي . ومن قال : النحلة الفريضة - نظر إلى حكم الآية ، لا إلى موضوع اللفظ والاشتقاق ، والآية اقتضت إتيانهن الصداق . انتهى . ودل هذا الأمر على التحرج من التعرض لمهور النساء كما دل الأمر في : ( وآتوا اليتامى أموالهم ) ، وأنهما متساويان في التحريم . ولما أذن في نكاح الأربع أمر الأزواج والأولياء باجتناب ما كانوا عليه من سنن الجاهلية .

وقرأ الجمهور صدقاتهن جمع صدقة ، على وزن سمرة . وقرأ السدي وغيره : بإسكان الدال وضم الصاد . وقرأ مجاهد وموسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان وغيرهم : بضمها . وقرأ النخعي وابن وثاب : ( صدقتهن ) بضمها والإفراد ، وانتصب ( نحلة ) على أنه مصدر على غير الصدر ، لأن معنى ( وآتوا ) انحلوا فالنصب فيها بـ ( آتوا ) . وقيل : بـ ( انحلوهن ) مضمرة . وقيل : مصدر في موضع الحال ، إما عن الفاعلين ، أي : ناحلين ، وإما من المفعول الأول أو الثاني ، أي : منحولات . وقيل : انتصب على إضمار فعل بمعنى شرع ، أي : أنحل الله ذلك نحلة ، أي شرعه شرعة ودينا . وقيل : إذا كان بمعنى شرعة فيجوز انتصابه على أنه مفعول من أجله ، أو حال من الصدقات . وفي قوله : وآتوا النساء صدقاتهن دلالة على وجوب الصداق للمرأة ، وهو مجمع عليه إلا ما روي عن بعض أهل العراق : أن السيد إذا زوج عبده بأمته لا يجب فيه صداق ، وليس في الآية تعرض لمقدار الصداق ، ولا لشيء من أحكامه . وقد تكلم بعض المفسرين في ذلك هنا ، ومحل الكلام في ذلك هو كتب الفقه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث