الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) الخطاب فيه الخلاف : أهو للأزواج ؟ أو للأولياء ؟ وهو مبني على الخلاف في : وآتوا النساء . وقال حضرمي : سبب نزولها أن قوما تحرجوا أن يرجع إليهم شيء مما دفعوا إلى الزوجات ، والضمير في ( منه ) عائد على الصداق ، قاله عكرمة . إذ لو وقع مكان ( صدقاتهن ) لكان جائزا وصار شبيها بقولهم : هو أحسن الفتيان وأجمله لصلاحية : هو أحسن فتى . قال الزمخشري : ويجوز أن يكون تذكير الضمير لينصرف إلى الصداق الواحد ، فيكون متناولا بعضه . فلو أنث لتناول ظاهره هبة الصداق كله ، لأن بعض الصدقات واحد منها فصاعدا . انتهى . وأقول : حسن تذكير الضمير ، لأن معنى فإن طبن : فإن طابت كل واحدة ، فلذلك قال ( منه ) ، أي : من صداقها ، وهو [ ص: 167 ] نظير وأعتدت لهن متكأ أي لكل واحدة ، ولذلك أفرد ( متكأ ) . وقيل : يعود على ( صدقاتهن ) مسلوكا به مسلك اسم الإشارة ، كأنه قيل : عن شيء من ذلك . واسم الإشارة وإن كان مفردا قد يشار به إلى مجموع ؛ كقوله : ( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ) . وقد تقدمت عليه أشياء كثيرة . وقيل لرؤبة : كيف قلت :

كأنه في الجلد توليع البهق

وقد تقدم :

فيها خطوط من سواد وبلق

فقال : أردت كان ذاك . وقيل : يعود على المال ، وهو غير مذكور ، ولكن يدل عليه ( صدقاتهن ) . وقيل : يعود على الإيتاء وهو المصدر الدال عليه ( وآتوا ) ، قاله الراغب ، وذكره ابن عطية . ويتعلق المجروران بقوله : طبن ، و ( منه ) في موضع الصفة لشيء ، فيتعلق بمحذوف ، وظاهر ( من ) التبعيض . وفيه إشارة إلى أن ما تهبه يكون بعضا من الصداق ، ولذلك ذهب الليث بن سعد إلى أنه لا يجوز تبرعها له إلا باليسير . وقال ابن عطية : ومن تتضمن الجنس هاهنا . وكذلك يجوز أن تهب المهر كله ، ولو وقعت على التبعيض لما جاز ذلك .

وانتصب ( نفسا ) على التمييز ، وهو من التمييز المنقول من الفاعل . وإذا جاء التمييز بعد جمع وكان منتصبا عن تمام الجملة ، فإما أن يكون موافقا لما قبله في المعنى ، أو مخالفا ، فإن كان موافقا طابقه في الجمعية ، نحو : كرم الزيدون رجالا ، كما يطابق لو كان خبرا . وإن كان مخالفا ، فإما أن يكون مفرد المدلول أو مختلفه ، إن كان مفرد المدلول لزم إفراد اللفظ الدال كقولك في أبناء رجل واحد : كرم بنو فلان أصلا وأبا . وكقولك : زكا الأتقياء متقيا ، وجاد الأذكياء وعيا . وذلك إذا لم تقصد بالمصدر اختلاف الأنواع لاختلاف محاله . وإن كان مختلف المدلول ، فإما أن يلبس أفراده لو أفرد ، أو لا يلبس . فإن ألبس وجبت المطابقة ، نحو : كرم الزيدون آباء ، أي : كرم آباء الزيدين . ولو قلت : كرم الزيدون أبا ، لأوهم أن أباهم واحد موصوف بالكرم . وإن لم يلبس جاز الإفراد والجمع . والإفراد أولى ، كقوله : فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ؛ إذ معلوم أن لكل نفسا ، وأنهن لسن مشتركات في نفس واحدة . وقر الزيدون عينا ، ويجوز أنفسا وأعينا . وحسن الإفراد أيضا في الآية ما ذكرناه قبل من محسن تذكير الضمير وإفراده ، وهو أن المعنى : فإن طابت كل واحدة عن شيء منه نفسا .

وقال بعض البصريين : أراد بالنفس الهوى . والهوى مصدر ، والمصادر لا تثنى ولا تجمع . وجواب الشرط : فكلوه ، وهو أمر إباحة . والمعنى : فانتفعوا به . وعبر بالأكل لأنه معظم الانتفاع .

وهنيئا مريئا ، أي : شافيا سائغا . وقال أبو حمزة : هنيئا لا إثم فيه ، مريئا لا داء فيه . وقيل : هنيئا لذيذا ، مريئا محمود العاقبة . وقيل : هنيئا مريئا أي ما لا تنغيص فيه . وقيل : ما ساغ في مجراه ولا غص به من تحساه . وقيل : هنيئا مريئا أي : حلالا طيبا . وقرأ الحسن والزهري : ( هنيا مريا ) دون همزة ، أبدلوا الهمزة التي هي لام الكلمة ياء ، وأدغموا فيها ياء المد . وانتصاب هنيئا على أنه نعت لمصدر محذوف ، أي : فكلوه أكلا هنيئا ، أو على أنه حال من ضمير المفعول ، هكذا أعربه الزمخشري وغيره . وهو قول مخالف لقول أئمة العربية ، لأنه عند سيبويه وغيره - منصوب بإضمار فعل لا يجوز إظهاره . وقد ذكرنا في المفردات نص سيبويه على ذلك . فعلى ما قاله أئمة العربية يكون ( هنيئا مريئا ) من جملة أخرى غير قوله : فكلوه هنيئا مريئا ، ولا تعلق له به من حيث الإعراب ، بل من حيث المعنى . وجماع القول في ( هنيئا ) : أنها حال قائمة مقام الفاعل الناصب لها . فإذا قيل : إن فلانا أصاب خيرا فقلت هنيئا له ذلك ، فالأصل : ثبت له ذلك هنيئا ، فحذف ( ثبت ) ، وأقيم ( هنيئا ) مقامه . واختلفوا إذ ذاك فيما يرتفع به ذلك . فذهب السيرافي إلى أنه مرفوع بذلك الفعل المختزل الذي هو ( ثبت ) ، و ( هنيئا ) حال من ذلك ، وفي ( هنيئا ) ضمير يعود على ذلك . وإذا قلت : ( هنيئا ) ، ولم تقل له ذلك ، بل اقتصرت على قولك : هنيئا ، ففيه ضمير مستتر يعود على ذي الحال ، وهو ضمير الفاعل الذي استتر في ( ثبت ) المحذوفة . وذهب الفارسي [ ص: 168 ] إلى أن ذلك إذا قلت : هنيئا له ذلك ، مرفوع بهنيئا القائم مقام الفعل المحذوف ، لأنه صار عوضا منه ، فعمل عمله . كما أنك إذا قلت : زيد في الدار ، رفع المجرور الضمير الذي كان مرفوعا بمستقر ، لأنه عوض منه . ولا يكون في ( هنيئا ) ضمير ، لأنه قد رفع الظاهر الذي هو اسم الإشارة . وإذا قلت : هنيئا ففيه ضمير فاعل بها ، وهو الضمير فاعلا لثبت ، ويكون هنيئا قد قام مقام الفعل المختزل مفرعا من الفعل . وإذا قلت : هنيئا مريئا ، فاختلفوا في نصب مريء . فذهب بعضهم : إلى أنه صفة لقولك هنيئا ، وممن ذهب إلى ذلك الحوفي . وذهب الفارسي : إلى أن انتصابه انتصاب قولك ( هنيئا ) ، فالتقدير عنده : ثبت مريئا ، ولا يجوز عنده أن يكون صفة ل ( هنيئا ) ، من جهة أن ( هنيئا ) لما كان عوضا من الفعل صار حكمه حكم الفعل الذي ناب منابه ، والفعل لا يوصف ، فكذلك لا يوصف هو . وقد ألم الزمخشري بشيء مما قاله النحاة في ( هنيئا ) ؛ لكنه حرفه ، فقال بعد أن قدم أن انتصابه على أنه وصف للمصدر ، أو حال من الضمير في ( فكلوه ) أي : كلوه وهو هنيء مريء - قال : وقد يوقف على ( فكلوه ) ، ويبتدأ ( هنيئا مريئا ) على الدعاء ، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدر ، كأنه قيل : هنئا مرئا ، انتهى . وتحريفه أنه جعلهما أقيما مقام المصدر ، فانتصابهما على هذا انتصاب المصدر ، ولذلك قال : كأنه قيل هنأ مرأ ، فصار كقولك : سقيا ورعيا ، أي : هناءة ومراءة . والنحاة يجعلون انتصاب ( هنيئا ) على الحال ، وانتصاب مريئا على ما ذكرناه من الخلاف . إما على الحال ، وإما على الوصف . ويدل على فساد ما حرفه الزمخشري وصحة قول النحاة - ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد ( هنيئا مريئا ) . ولو كانا ينتصبان انتصاب المصادر ، والمراد بها : الدعاء - أجاز ذلك فيها تقول : سقيا لك ورعيا ، ولا يجوز سقيا الله لك ، ولا رعيا الله لك ، وإن كان ذلك جائزا في فعله فتقول : سقاك الله ورعاك . والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدها قول الشاعر :


هنيئا مريئا غير داء مخامر     لعزة من أعراضنا ما استحلت



ف ( ما ) : مرفوع بما تقدم من هنيء أو مريء . أو بـ ( ثبت ) المحذوفة على اختلاف السيرافي وأبي علي على طريق الإعمال . وجاز الإعمال في هذه المسألة وإن لم يكن بينهما رابط عطف ، لكون ( مريئا ) لا يستعمل إلا تابعا ل ( هنيئا ) ، فصارا كأنهما مرتبطان لذلك . ولو كان ذلك في الفعل لم يجز لو قلت : قام خرج زيد ، لم يصح أن يكون من الإعمال إلا على نية حرف العطف . وذهب بعضهم إلى أن مريئا يستعمل وحده غير تابع ل ( هنيئا ) ، ولا يحفظ ذلك من كلام العرب ، و ( هنيئا مريئا ) اسما فاعل للمبالغة . وأجاز أبو البقاء أن يكونا مصدرين جاءا على وزن فعيل ، كالصهيل والهدير ، وليسا من باب ما يطرد فيه فعيل في المصدر .

وظاهر الآية يدل على أن المرأة إذا وهبت لزوجها شيئا من صداقها طيبة بها نفسها غير مضطرة إلى ذلك بإلحاح أو شكاسة خلق ، أو سوء معاشرة ، فيجوز له أن يأخذ ذلك منها ويتملكه وينتفع به . ولم يوقت هذا التبرع بوقت ، ولا استثناء فيه رجوع . وذهب الأوزاعي : إلى أنه لا يجوز تبرعها ما لم تلد ، أو تقم في بيت زوجها سنة ، فلو رجعت بعد الهبة فقال شريح وعبد الملك بن مروان : لها أن ترجع . وروي مثله عن عمر . كتب عمر إلى قضاته : أن النساء يعطين رغبة ورهبة ، فأيما امرأة أعطت زوجها ثم أرادت أن ترجع فلها ذلك . قال شريح : لو طابت نفسها لما رجعت . وقال عبد الملك : قال تعالى : [ ص: 169 ] ( فلا تأخذوا منه شيئا ) وكلا القولين خلاف الظاهر من هذه الآية . وفي تعليق القبول على طيب النفس دون لفظة الهبة أو الإسماح - دلالة على وجوب الاحتياط في الأخذ ، وإعلام أن المراعى هو طيب نفسها بالموهوب . وفي قوله : هنيئا مريئا مبالغة في الإباحة والقبول وزوال التبعة .

التالي السابق


الخدمات العلمية