الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 232 ] أبو عبد الله مردنيش

الزاهد المجاهد أبو عبد الله ، محمد الجذامي المغربي .

كان معه عدة رجال أبطال يغير بهم يمنة ويسرة ، وكانوا يحرثون على خيلهم كما يحرث أهل الثغر ، وكان أمير المسلمين ابن تاشفين يمدهم بالمال والآلات ، ويبرهم .

ولمردنيش مغازي ومواقف مشهودة وفضائل وهو جد الملك محمد [ ص: 233 ] بن سعد بن محمد صاحب شرق الأندلس .

فمن عجيب ما صح عندي من مغازيه -يقول ذلك اليسع بن حزم - أنه أغار يوما ، فغنم غنيمة كثيرة ، واجتمع عليه من الروم أكثر من ألف فارس ، فقال لأصحابه وكانوا ثلاث مائة فارس : ما ترون ؟ فقالوا نشغلهم بترك الغنيمة . فقال : ألم يقل القائل : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين فقال له ابن مورين : يا رئيس ، الله قال هذا . فقال : الله يقول هذا وتقعدون عن لقائهم ؟! قال : فثبتوا ، فهزموا الروم .

ومن غريب أمره أنه نزل ملك الروم ابن رذمير ، فأفسدوا الزروع ، فبعث يقول له : مثلك لا يرضى بالفساد ، ولا بد لك من الانصراف ، فأفسد في بلدك في يوم واحد ما لا تفسده في جمعة . فأمر اللعين أصحابه بالكف ، وبعث إليه يرغب في رؤيته لسمعته عندهم .

قال ابن مورين : فجئنا مع الرئيس ، فقدمناه ، فأكرمه ، وأجلسه إلى جنبه ، وجعل يطلع إليه ويقول بلسانه : اسمك عظيم ، وطلعتك دون اسمك ، وما شخصك بشخص فارس . وكان قصيرا ، وأراد ممازحته ، وكذا وجه إليه أمير المسلمين علي بن يوسف ، فمضى واجتمع به ، واستناب موضعه ولده سعدا إلى أن رجع .

وفي سنة سبع وعشرين وخمسمائة سار ابن رذمير ، فنازل مدينة إفراغة وبها ابن مردنيش ، وطال الحصار ، فكتبوا إلى أمير المسلمين ابن تاشفين ليغيثهم ، فكتب إلى ابنه تاشفين بن علي ، وإلى الأمير يحيى بن غانية بإغاثتهم ، وإدخال الميرة إليهم ، فتهيأ لنجدتهم أربعة آلاف ، فما [ ص: 234 ] وصلوا إلى إفراغة إلا وقد فني ما بها ، ولم يبق لابن مردنيش سوى حصان ، فذبحه لهم ، فحصل لكل واحد أوقية أوقية .

قال اليسع : فحدثني الملك المجاهد ابن عياض حديث هذه الغزاة ، قال : لما وصل أبو زكريا يحيى بن غانية مدينة زيتونة ، خرجت إليه من لاردة مع فرساني ، فقال : أشيروا علي . فقلت : الصواب جمع جند الأندلس تحت راية واحدة ، وهلال وسليم تحت راية أخرى ، ويتقدم الزبير بن عمر بأهل المغرب وبالدواب التي تحمل الأقوات ، معهم الطبول والرايات ، ونبقى نحن والعرب كمينا عن يمين الجيش ويساره ، فإذا أبصر اللعين الرايات والطبول والزمر حمل عليه ، فنكر عليه من الجهتين .

قال : فصلينا الصبح في ليلة سبع وعشرين من رمضان سنة سبع وعشرين وخمسمائة ، وأبصر اللعين الجيش وقد استراح من جراحاته ، وكان عسكره إذ ذاك أربعة وعشرين ألف فارس سوى أتباعهم ، فقصدوا الطبول ، فانكسروا وتفرقوا -يعني المسلمين- فأتينا الروم عن أيمانهم ، ونزل النصر وعمل السيف في الروم حتى بقي ابن رذمير في نحو أربعمائة فارس ، فلجئوا إلى حصن لهم ، وبات المسلمون عليه ، ثم هلك غما ، وأصابه مرض مات بعد خمسة عشر يوما من هزيمته -فلا رحمه الله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث