الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الوجه الخامس: أن الممكن لا يتحقق وجوده بمجرد ممكن آخر لم يتحقق وجوده، بل لا يتحقق وجوده إلا بما يحقق وجوده. وحينئذ فإذا قدرنا الجميع ممكنات ليس فيها ما تحقق وجوده، لم يحصل شرط وجود شيء من الممكنات، فلا يوجد شيء منها، لأن كل ممكن إذا أخذته مفتقرا إلى فاعل يوجده، فهو في هذه الحال لم يتحقق وجوده بعده، فإنه ما دام مفتقرا إلى أن يصير موجودا فليس بموجود، فإن كونه موجودا ينافي كونه مفتقرا إلى أن يصير موجودا، فلا يكون فيها موجود، فلا يكون فيها ما يحصل به شرط وجود الممكن، فضلا عن أن يكون فيها ما يكون مبدعا لممكن، أو فاعلا له فلا يوجد ممكن، وقد وجدت الممكنات، فتسلسل الممكنات بكون كل منها مؤثرا في الآخر ممتنع، وهو المطلوب.

واعلم أن تسلسل المؤثرات لما كان ممتنعا ظاهر الامتناع في فطر جميع العقلاء، لم يكن متقدمو النظار يطيلون في تقريره، لكن المتأخرون أخذوا يقررونه، وكان من أسباب ذلك اشتباه التسلسل في الآثار، التي هي الأفعال، بالتسلسل في المؤثرين الذين هم الفاعلون، فإن جهم بن صفوان وأبا الهذيل العلاف ومن اتبعهما من أهل الكلام المحدث الذي ذمه السلف والأئمة، وسلكه من سلكه من المعتزلة والكلابية والكرامية وغيرهم، اعتقدوا بطلان هذا كله. وعن هذا امتنعوا أن يقولوا: إن الرب لم يزل متكلما إذا شاء، ثم اختلفوا: هل كلامه مخلوق، أو حادث النوع، [ ص: 158 ] أو قديم العين وهو معنى، أو قديم العين وهو حروف، أو حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا؟ على الأقوال المعروفة في هذا الموضوع.

ثم إن جهما وأبا الهذيل العلاف منعا ذلك في الماضي والمستقبل، ثم إن جهما كان أشد تعطيلا، فقال بفناء الجنة والنار، وأما أبو الهذيل فقال بفناء حركات الجنة، وجعلوا الرب تعالى فيما لا يزال لا يمكن أن يتكلم ولا يفعل، كما قالوا: لم يزل وهو لا يمكن أن يتكلم وأن يفعل، ثم صار الكلام والفعل ممكنا بغير حدوث شيء يقتضي إمكانه، وأما أكثر أتباعهما ففرقوا بين الماضي والمستقبل، كما ذكر في غير هذا الموضع.

والمقصود هنا أنه لما جعل من جعل التسلسل نوعا واحدا، كما جعل من جعل الدور نوعا واحدا، حصلت شبهة، فصار بعض المتأخرين كالآمدي والأبهري يوردون أسولة على تسلسل المؤثرات، ويقولون: إنه لا جواب عنها، فلذلك احتيج إلى بسط الكلام في ذلك.

التالي السابق


الخدمات العلمية