الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

أبو الحسين الزاهد

هو الزاهد القدوة الولي أبو الحسين بن أبي عبد الله بن حمزة المقدسي .

[ ص: 381 ] ألف الحافظ الضياء سيرته في جزء ، أنبأني به الشيخ أبو عبد الله بن الكمال وغيره بسماعهم منه ، فقال : حدثني الإمام عبد الله بن أبي الحسن الجبائي قال : مضيت إلى زيارة أبي الحسين الزاهد بحلب ، ولم تكن نيتي صادقة ، فقال : إذا جئت إلى المشايخ ، فلتكن نيتك صادقة في الزيارة .

سألت خالي أبا عمر : هل رأيت أبا الحسين يأكل شيئا ؟ فقال : رأيته يأكل خروبا يمصه ويرمي به ، ورأيته يأكل بقلا مسلوقا .

قال أبو سعد السمعاني : سمعت سنان بن مشيع الرقي يقول : رأيت أبا الحسين المقدسي برأس عين في موضع عريانا قد اتزر بقميصه ومعه حمار ، والناس قد تكابوا عليه ، فقال : تعال : فتقدمت ، فأخذ بيدي ، وقال : نتواخى ؟ قلت : ما لي طاقة . قال : أيش لك في هذا ، وآخاني . وقال لواحد من الجماعة : حماري يحتاج إلى رسن . فقالوا : ثمنه أربعة فلوس . فأشار إلى موضع في الحائط ، فإني جزت ها هنا ، وخبأت ثم أربع فلوس ، اشتروا لي بها حبلا .

ثم قال : أريد أن تشتري لي بدينار سمكا . قلت : كرامة ، ومن أين لك ذهب ؟ قال : بلى معي ذهب كثير . قلت : الذهب يكون أحمر . قال : أبصر تحت الحشيش . فأخذت الحشيش ، فخرج دينار ، فاشتريت له به سمكا ، فنظفه ، وشواه ، ثم قلاه ، ثم أخرج منه الجلد والعظام ، وجعله أقراصا ، وجففه ، وتركه في جرابه ، ومضى وله سنون ما أكل الخبز . وكان يسكن جبال الشام ، ويأكل البلوط والخرنوب .

قال الضياء : قرأت بخط يوسف بن محمد بن مقلد الدمشقي أنه سمع [ ص: 382 ] من الشيخ أبي الحسين أبياتا ، ثم قال : وكان عظيم الشأن ، يقعد خمسة عشر يوما لا يأكل سوى أكلة ، ويتقوت من الخروب البري ، ويجفف السمك ، وحدثني يوسف بن الشيخ أبي الحسين أن الشيخ استف من صرة ، فرآه رجل ، فأراد أن يستف منه ، فإذا هو مر ، فلما جاء الشيخ ، قال : يا سيدي ، ما في الصرة ؟ فناوله منها كفا ، فإذا هو سكر وقلب لوز .

وأخبرنا أبو المظفر السمعاني عن أبيه : سمعت عبد الواحد بن عبد الملك الزاهد بالكرج ، سمعت أبا الحسين المقدسي -وكان صاحب آيات وكرامات عجيبة ، وكان طاف الدنيا - يقول : رأيت أعجميا بخراسان يعظ ، اسمه يوسف بن أيوب .

قال : وحدثني أبو تمام حمد بن تركي بن ماضي قال : حدثني جدي قال : كنا بعسقلان في يوم عيد ، فجاء أبو الحسين الزاهد إلى امرأة معها خبز سخن ، فقال : تشتهي لزوجك من هذا الخبز -وكان في الحج- فناولته رغيفين ، فلفهما في مئزر ، ومضى إلى مكة ، فقال : خذ هذا من عند أهلك . وأخرجه سخنا ، ورجع ، فرأوه يومئذ بمكة وبعسقلان ، وجاء الرجل ، وقال : أما أعطيتني الرغيفين ؟ فقال : لا تفعل ، قد اشتبه عليك . فحدثني جدي ماضي قال : كان أبو الحسين بعسقلان ، فوصوا عليه البوابين لا تخلوه يخرج خوفا من الفرنج ، فجاء وعدا وقميصه في فمه ، فإذا هو في جبل لبنان ، فقال لنفسه : ويلك وأنت ممن بلغ هذه الرتبة ؟ !

وعن مسعود اليمني : قالت الفرنج : لو أن فيكم آخر مثل أبي الحسين [ ص: 383 ] لاتبعناكم على دينكم ، مروا يوما ، فرأوه راكبا على سبع وفي يده حية ، فلما رآهم ، نزل ومضى .

السمعاني : سمعنا عبد الواحد بالكرج يقول : سمعت الكفار يقولون : الأسود والنمور كأنها نعم أبي الحسين .

قال الضياء : سمعنا له غير ذلك من مشي الأسد معه ، وقيل : عمل حلاوة من قشور البطيخ ، فغرف حلاوة من أحسن الحلاوة .

وحدثني عنه المحسن بن محمد بن الشيخ ، حدثنا أبي قال : كان والدي يعمل لنا الحلاوة من قشور البطيخ ، ويسوطها بيده ، فعملنا بعده ، فلم تنعمل ، فقالت أمي : بقيت تعوز المغرفة .

حدثني خالي أبو عمر قال : كان أبو الحسين يجيء إلينا ، وكان يقطع البطيخ ويطبخه ، واستعار مني سكينا ، فجرحته ، فقال : ما سكينك إلا حمقى .

وعن امرأة : أن أبا الحسين دخل تنورا ، وخرج منه .

حدثنا محمد بن إسماعيل الإمام بمردا ، حدثنا أبو يوسف حسن قال : كنت مع أبي الحسين الزاهد ، فقال لناس : أعطوني من ناركم ، فملئوا له قطعة جرة ، فقال : صبوها في ملحفتي . فصبوها في ملحفته ، فأخذها ومضى . وقيل : إنه رش ماء على زمنة ، فمشت . سمعت خالي موفق الدين يقول : حكي أن أبا الحسين أراد لص أن يأخذ حماره ، قال : فيبست يده ، فلما أبعد عنه ، عادت .

[ ص: 384 ] قال الضياء : وبلغني عنه أنه كان يلبس سراويله حماره ، ويقول : نواري عورته . فيضحك الناس .

وقيل : كان إذا عرف بمكان سافر ، وقبره يزار بظاهر حلب .

مات ظنا سنة ثمان وأربعين وخمسمائة .

وقيل : أعطت زوجة سلطان حلب لزوجة أبي الحسين شقة حرير ، فعملها سراويل لحماره ورأى حمالا قد رمى قفص فخار ، فتطحن ، فجمعه له ، وجاء معه إلى الفاخورة ، فحطه ، فوجده صحاحا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث