الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب معرفة طريق الرؤية

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب معرفة طريق الرؤية

182 حدثني زهير بن حرب حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبره أن ناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر قالوا لا يا رسول الله قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم السعدان قالوا نعم يا رسول الله قال فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم المؤمن بقي بعمله ومنهم المجازى حتى ينجى حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله تعالى أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار وقد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار وهو آخر أهل الجنة دخولا الجنة فيقول أي رب اصرف وجهي عن النار فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه ثم يقول الله تبارك وتعالى هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غيره فيقول لا أسألك غيره ويعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي رب قدمني إلى باب الجنة فيقول الله له أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول أي رب ويدعو الله حتى يقول له فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره فيقول لا وعزتك فيعطي ربه ما شاء الله من عهود ومواثيق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا قام على باب الجنة انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الخير والسرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثم يقول أي رب أدخلني الجنة فيقول الله تبارك وتعالى له أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت ويلك يا ابن آدم ما أغدرك فيقول أي رب لا أكون أشقى خلقك فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله تبارك وتعالى منه فإذا ضحك الله منه قال ادخل الجنة فإذا دخلها قال الله له تمنه فيسأل ربه ويتمنى حتى إن الله ليذكره من كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله تعالى ذلك لك ومثله معه قال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يرد عليه من حديثه شيئا حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل ومثله معه قال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة قال أبو هريرة ما حفظت إلا قوله ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد أشهد أني حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ذلك لك وعشرة أمثاله قال أبو هريرة وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا الجنة حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة وساق الحديث بمثل معنى حديث إبراهيم بن سعد

التالي السابق


قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما تضارون في رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما ) معناه : لا تضارون أصلا كما لا تضارون في رؤيتهما أصلا .

[ ص: 400 ] قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( حتى إذا ما لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب ) أما البر فهو المطيع . وأما ( غبر ) فبضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة المشددة ومعناه بقاياهم جمع غابر .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ) أما السراب فهو الذي يتراءى للناس في الأرض القفر والقاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد لامعا مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، فالكفار يأتون جهنم - أعاذنا الله الكريم وسائر المسلمين منها ومن كل مكروه - وهم عطاش فيحسبونها ماء فيتساقطون فيها .

وأما ( يحطم بعضها بعضا ) فمعناه : لشدة اتقادها وتلاطم أمواج لهبها . والحطم : الكسر والإهلاك ، والحطمة : اسم من أسماء النار لكونها تحطم ما يلقى فيها .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها ) معنى رأوه فيها : علموها له وهي صفته المعلومة للمؤمنين ، وهي أنه لا يشبهه شيء . وقد تقدم معنى الإتيان والصورة . والله أعلم .

قوله : ( قالوا : ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ) معنى قولهم : التضرع إلى الله تعالى في كشف هذه الشدة عنهم ، وأنهم لزموا طاعته سبحانه وتعالى ، وفارقوا في الدنيا الناس الذين زاغوا عن طاعته - سبحانه - من قراباتهم وغيرهم ممن كانوا يحتاجون في معايشهم ومصالح دنياهم إلى معاشرتهم للارتفاق بهم ، وهذا كما جرى للصحابة المهاجرين وغيرهم ومن أشبههم من المؤمنين في جميع الأزمان فإنهم يقاطعون من حاد الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مع حاجتهم في معايشهم إلى الارتفاق بهم والاعتضاد بمخالطتهم ، فآثروا رضى الله تعالى على ذلك ، وهذا معنى ظاهر في هذا الحديث لا شك في حسنه ، وقد أنكر القاضي عياض - رحمه الله - هذا الكلام الواقع في صحيح مسلم ، وادعى أنه مغير وليس كما قال بل الصواب ما ذكرناه .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب ) هكذا هو في الأصول ( ليكاد أن ينقلب ) بإثبات ( أن ) ، وإثباتها مع ( كاد ) لغة كما أن حذفها مع ( عسى ) لغة ، وينقلب بياء مثناة من تحت ثم نون ثم قاف ثم [ ص: 401 ] لام ثم باء موحدة . ومعناه والله أعلم : ينقلب عن الصواب ، ويرجع عنه للامتحان الشديد الذي جرى . والله أعلم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيكشف عن ساق ) ضبط ( يكشف ) بفتح الياء وضمها وهما صحيحان . وفسر ابن عباس وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث الساق هنا بالشدة أي يكشف عن شدة وأمر مهول ، وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر ، ولهذا يقولون : قامت الحرب على ساق ، وأصله أن الإنسان إذا وقع في أمر شديد شمر ساعده وكشف عن ساقه للاهتمام به . قال القاضي عياض - رحمه الله - : وقيل المراد بالساق هنا نور عظيم ، وورد ذلك في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن فورك : ومعنى ذلك ما يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله تعالى من الفوائد والألطاف . قال القاضي عياض : وقيل : قد يكون الساق علامة بينه وبين المؤمنين من ظهور جماعة من الملائكة على خلقة عظيمة لأنه يقال : ساق من الناس كما يقال : رجل من جراد ، وقيل : قد يكون ساق مخلوقا جعله الله تعالى علامة للمؤمنين خارجة عن السوق المعتادة ، وقيل : كشف الخوف وإزالة الرعب عنهم وما كان غلب على قلوبهم من الأهوال ، فتطمئن حينئذ نفوسهم عند ذلك ، ويتجلى لهم فيخرون سجدا . قال الخطابي - رحمه الله - : وهذه الرؤية التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التي في الجنة لكرامة أولياء الله تعالى ، وإنما هذه للامتحان . والله أعلم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ولا يبقى من كان يسجد لله تعالى من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة هذا السجود امتحان من الله تعالى لعباده ، وقد استدل بعض العلماء بهذا مع قوله تعالى : ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون على جواز تكليف ما لا يطاق ، وهذا استدلال باطل ; فإن الآخرة ليست دار تكليف بالسجود ، وإنما المراد امتحانهم .

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( طبقة ) فبفتح الطاء والباء . قال الهروي وغيره : الطبق فقار الظهر أي صار فقارة واحدة كالصحيفة فلا يقدر على السجود . والله أعلم .

ثم اعلم أن هذا الحديث قد يتوهم منه أن المنافقين يرون الله تعالى مع المؤمنين ، وقد ذهب إلى ذلك طائفة حكاه ابن فورك لقوله - صلى الله عليه وسلم - : وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تعالى وهذا الذي قالوه باطل ; بل لا يراه المنافقون بإجماع من يعتد به من علماء المسلمين ، وليس في هذا الحديث تصريح برؤيتهم الله تعالى وإنما فيه أن الجمع الذي فيه المؤمنون والمنافقون يرون الصورة ثم بعد ذلك يرون الله تعالى ، وهذا لا يقتضي أن يراه جميعهم ، وقد قامت دلائل الكتاب والسنة على أن المنافق لا يراه - سبحانه وتعالى - . والله أعلم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يرفعون رءوسهم وقد تحول في صورته ) هكذا ضبطناه ( صورته ) بالهاء في آخرها ، [ ص: 402 ] ووقع في أكثر الأصول أو كثير منها ( في صورة ) بغير هاء ، وكذا هو في الجمع بين الصحيحين للحميدي ، والأول أظهر ، وهو الموجود في الجمع بين الصحيحين للحافظ عبد الحق ، ومعناه : وقد أزال المانع لهم من رؤيته وتجلى لهم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ) الجسر : بفتح الجيم وكسرها لغتان مشهورتان ، وهو الصراط . ومعنى تحل الشفاعة بكسر الحاء وقيل بضمها أي : تقع ويؤذن فيها .

قوله : ( قيل : يا رسول الله وما الجسر ؟ قال : دحض مزلة ) هو بتنوين دحض وداله مفتوحة والحاء ساكنة . و ( مزلة ) : بفتح الميم وفي الزاي لغتان مشهورتان الفتح والكسر ، والدحض والمزلة بمعنى واحد ، وهو الموضع الذي تزل فيه الأقدام ولا تستقر . ومنه دحضت الشمس أي : مالت ، وحجة داحضة لا ثبات لها .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيه خطاطيف وكلاليب وحسك ) أما الخطاطيف : فجمع خطاف بضم الخاء في المفرد . والكلاليب بمعناه ، وقد تقدم بيانهما ، وأما الحسك فبفتح الحاء والسين المهملتين ، وهو شوك صلب من حديد .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنم ) معناه أنهم ثلاثة أقسام ، قسم يسلم فلا يناله شيء أصلا ، وقسم يخدش ثم يرسل فيخلص ، وقسم يكردس . ويلقى فيسقط في جهنم . وأما مكدوس فهو بالسين المهملة هكذا هو في الأصول وكذا نقله القاضي عياض - رحمه الله - عن أكثر الرواة قال : ورواه العذري بالشين المعجمة ومعناه بالمعجمة السوق ، وبالمهملة كون الأشياء بعضها على بعض ، ومنه تكدست الدواب في سيرها إذا ركب بعضها بعضا .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في استقصاء الحق من المؤمنين لله تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار ) اعلم أن هذه اللفظة ضبطت على أوجه ، أحدها : ( استيضاء ) بتاء مثناة من فوق ثم ياء مثناة من تحت ثم ضاد معجمة ، والثاني : ( استضاء ) بحذف المثناة من تحت ، والثالث : ( استيفاء ) بإثبات المثناة من تحت وبالفاء بدل الضاد ، والرابع : ( استقصاء ) بمثناة من فوق ثم قاف ثم صاد مهملة . فالأول موجود في كثير من الأصول ببلادنا ، والثاني هو الموجود في أكثرها ، [ ص: 403 ] وهو الموجود في الجمع بين الصحيحين للحميدي ، والثالث في بعضها ، وهو الموجود في الجمع بين الصحيحين لعبد الحق الحافظ ، والرابع في بعضها ، ولم يذكر القاضي عياض غيره ، وادعى اتفاق الرواة وجميع النسخ عليه ، وادعى أنه تصحيف ووهم وفيه تغيير ، وأن صوابه ما وقع في كتاب البخاري من رواية ابن كثير ( بأشد مناشدة في استقصاء الحق يعني في الدنيا من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم ) ، وبه يتم الكلام ويتوجه . هذا آخر كلام القاضي - رحمه الله - ، وليس الأمر على ما قاله ; بل جميع الروايات التي ذكرناها صحيحة لكل منها معنى حسن . وقد جاء في رواية يحيى بن بكير عن الليث ( فما أنتم بأشد مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمنين يومئذ للجبار تعالى وتقدس إذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم ) ، وهذه الرواية التي ذكرها الليث توضح المعنى فمعنى الرواية الأولى والثانية : أنكم إذا عرض لكم في الدنيا أمر مهم والتبس الحال فيه وسألتم الله تعالى بيانه وناشدتموه في استيضائه وبالغتم فيها لا تكون مناشدة أحدكم مناشدة بأشد من مناشدة المؤمنين لله تعالى في الشفاعة لإخوانهم ، وأما الرواية الثالثة والرابعة فمعناهما أيضا : ما منكم من أحد يناشد الله تعالى في الدنيا في استيفاء حقه أو استقصائه وتحصيله من خصمه والمتعدي عليه بأشد من مناشدة المؤمنين الله تعالى في الشفاعة لإخوانهم يوم القيامة . والله أعلم .

قوله سبحانه وتعالى : ( من وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير ونصف مثقال من خير ومثقال ذرة ) قال القاضي عياض - رحمه الله - : قيل : معنى الخير هنا اليقين ، قال : والصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي هو التصديق لا يتجزأ ، وإنما يكون هذا التجزؤ لشيء زائد عليه من عمل صالح أو ذكر خفي أو عمل من أعمال القلب من شفقة على مسكين أو خوف من الله تعالى ونية صادقة ، ويدل عليه قوله في الرواية الأخرى في الكتاب : ( يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن كذا ، ومثله الرواية الأخرى : ( يقول الله تعالى : شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط ) وفي الحديث الآخر ( لأخرجن من قال لا إله إلا الله ) . قال القاضي - رحمه الله - : فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم ، وإنما دلت الآثار على أنه أذن لمن عنده شيء زائد على مجرد الإيمان ، وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين صلوات الله وسلامه عليهم دليلا عليه ، وتفرد الله عز وجل بعلم ما تكنه القلوب والرحمة لمن ليس عنده إلا مجرد الإيمان ، وضرب بمثقال الذرة المثل لأقل الخير فإنها أقل المقادير . قال القاضي : وقوله تعالى : ( من كان في قلبه ذرة وكذا ) دليل على أنه لا ينفع من العمل إلا ما حضر له القلب وصحبته نية ، وفيه دليل على زيادة الإيمان ونقصانه وهو مذهب أهل السنة . هذا آخر كلام القاضي - رحمه الله - . والله أعلم .

[ ص: 404 ] قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ثم يقولون ربنا لم نذر فيها خيرا ) هكذا هو ( خيرا ) بإسكان الياء أي : صاحب خير .

قوله سبحانه وتعالى : ( شفعت الملائكة ) هو بفتح الفاء وإنما ذكرته - وإن كان ظاهرا - لأني رأيت من يصحفه ، ولا خلاف فيه يقال : شفع يشفع شفاعة ، فهو شافع وشفيع ، والمشفع بكسر الفاء الذي يقبل الشفاعة ، والمشفع بفتحها الذي تقبل شفاعته .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيقبض قبضة من النار ) معناه يجمع جماعة .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما ) معنى عادوا : صاروا وليس بلازم في عاد أن يصير إلى حالة كان عليها قبل ذلك بل معناه : صار .

وأما ( الحمم ) بضم الحاء وفتح الميم الأولى المخففة وهو الفحم ، الواحدة حممة . والله أعلم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة ) أما ( النهر ) ففيه لغتان معروفتان فتح الهاء وإسكانها والفتح أجود ، وبه جاء القرآن العزيز .

وأما ( الأفواه ) فجمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة وهو جمع سمع من العرب على غير قياس ، وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها . قال صاحب المطالع كأن المراد في الحديث مفتتح من مسالك قصور الجنة ومنازلها .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض ) أما ( يكون ) في الموضعين الأولين فتامة ليس لها خبر معناها ما يقع ، وأصيفر وأخيضر مرفوعان ، وأما يكون أبيض ( فيكون ) فيه ناقصة وأبيض منصوب وهو خبرها .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم ) أما اللؤلؤ فمعروف وفيه أربع قراءات في السبع بهمزتين في أوله وآخره ، وبحذفهما وبإثبات الهمزة في أوله دون آخره وعكسه . وأما ( الخواتم ) فجمع خاتم بفتح التاء وكسرها ، ويقال أيضا : خيتام وخاتام . قال صاحب التحرير : المراد بالخواتم هنا [ ص: 405 ] أشياء من ذهب أو غير ذلك تعلق في أعناقهم علامة يعرفون بها ، قال : معناه تشبيه صفائهم وتلألئهم باللؤلؤ . والله أعلم .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله ) أي يقولون : هؤلاء عتقاء الله .

قوله : ( قرأت على عيسى بن حماد زغبة ) هو بضم الزاي وإسكان الغين المعجمة وبعدها باء موحدة وهو لقب لحماد والد عيسى ، ذكره أبو علي الغساني الجياني .

قوله : ( وزاد بعد قوله بغير عمل عملوه ولا قدم قدموه ) هذا مما قد يسأل عنه فيقال : لم يتقدم في الرواية الأولى ذكره ( القدم ) وإنما تقدم ( ولا خير قدموه ) وإذا كان كذلك لم يكن لمسلم أن يقول : زاد بعد قوله : ( ولا قدم ) إذ لم يجر للقدم ذكر ، وجوابه : أن هذه الرواية التي فيها الزيادة وقع فيها : ( ولا قدم ) بدل قوله في الأولى ( خير ) ووقع فيها الزيادة فأراد مسلم - رحمه الله - بيان الزيادة ، ولم يمكنه أن يقول زاد بعد قوله : ولا خير قدموه ; إذ لم يجر له ذكر في هذه الرواية فقال : زاد بعد قوله ولا قدم قدموه أي زاد بعد قوله في روايته ولا قدم قدموه . واعلم أيها المخاطب أن هذا لفظه في روايته وأن زيادته بعد هذا . والله أعلم .

والقدم هنا بفتح القاف والدال ومعناه الخير كما في الرواية الأخرى . والله أعلم .

قوله : ( وليس في حديث الليث فيقولون : ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين وما بعده فأقر به عيسى بن حماد ) أما قوله : ( وما بعده ) فمعطوف على فيقولون ربنا ، أي : ليس فيه فيقولون ربنا ولا ما بعده . وأما قوله ( فأقر به عيسى ) فمعناه أقر بقول له أولا أخبركم الليث بن سعد إلى آخره . والله أعلم .

[ ص: 406 ] قوله : ( وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا جعفر بن عون حدثنا هشام بن سعد حدثنا زيد بن أسلم بإسنادهما نحو حديث حفص بن ميسرة ) فقوله ( بإسنادهما ) يعني بإسناد ميسرة وإسناد سعيد بن أبي هلال الراويين في الطريقين المتقدمين عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - ، ومراد مسلم - رحمه الله - أن زيد بن أسلم رواه عن عطاء عن أبي سعيد الخدري ، ورواه عن زيد بهذا الإسناد ثلاثة من أصحابه حفص بن ميسرة وسعيد بن أبي هلال وهشام بن سعد ، فأما روايتا حفص وسعيد فتقدمتا مبينتين في الكتاب ، وأما رواية هشام فهي من حيث الإسناد بإسنادهما ومن حيث المتن نحو حديث حفص . والله - عز وجل - أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث