الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                1752 حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال بينا أنا واقف في الصف يوم بدر نظرت عن يميني وشمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما تمنيت لو كنت بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل قال قلت نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي قال أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا قال فتعجبت لذلك فغمزني الآخر فقال مثلها قال فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس فقلت ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه قال فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال أيكما قتله فقال كل واحد منهما أنا قتلت فقال هل مسحتما سيفيكما قالا لا فنظر في السيفين فقال كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                قوله : ( تمنيت لو كنت بين أضلع منهما ) هكذا هو في جميع النسخ ( أضلع ) بالضاد المعجمة وبالعين ، وكذا حكاه القاضي عن جميع نسخ صحيح مسلم ، وهو الأصوب ، قال : ووقع في بعض روايات البخاري ( أصلح ) بالصاد والحاء المهملتين ، قال : وكذا رواه مسدد ، قلت : وكذا وقع في حاشية بعض نسخ صحيح مسلم ، ولكن الأول أصح وأجود مع أن الاثنين صحيحان ولعله قالهما جميعا ، ومعنى ( أضلع ) : أقوى .

                                                                                                                قوله : ( لا يفارق سوادي سواده ) أي : شخصي شخصه .

                                                                                                                قوله : ( حتى يموت الأعجل منا ) أي : لا أفارقه حتى يموت أحدنا ، وهو الأقرب أجلا .

                                                                                                                قوله : ( فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس ) معناه لم ألبث .

                                                                                                                قوله : ( يزول ) هو بالزاي والواو هكذا هو في جميع نسخ بلادنا ، وكذا رواه القاضي عن جماهير شيوخهم ، قال : ووقع عند بعضهم عن ابن ماهان ( يرفل ) بالراء والفاء ، قال : والأول أظهر وأوجه ، ومعناه : يتحرك ويزعج ولا يستقر على حالة ، ولا في مكان ، والزوال : القلق ، قال : فإن صحت الرواية الثانية فمعناه : يسبل ثيابه ودرعه ويجره .

                                                                                                                قوله صلى الله عليه وسلم : ( أيكما قتله ؟ ) فقال كل واحد منهما : أنا قتلته ، فقال : هل مسحتما سيفيكما ؟ قالا : لا . فنظر في السيفين فقال : كلاكما قتله ، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح ، والرجلان : معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ بن عفراء .

                                                                                                                اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال أصحابنا : اشترك هذان الرجلان في جراحته ، لكن معاذ بن عمرو بن الجموح ثخنه أولا فاستحق السلب ، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كلاكما قتله " ، تطييبا لقلب الآخر من حيث إن له مشاركة في قتله ، وإلا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب وهو الإثخان وإخراجه عن كونه متمنعا إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح ، فلهذا قضى له بالسلب . قالوا : وإنما أخذ السيفين ليستدل بهما على حقيقة كيفية قتلهما ، فعلم أن ابن [ ص: 418 ] الجموح أثخنه ، ثم شاركه الثاني بعد ذلك وبعد استحقاقه السلب ، فلم يكن له حق في السلب . هذا مذهب أصحابنا في معنى هذا الحديث .

                                                                                                                وقال أصحاب مالك : إنما أعطاه لأحدهما ; لأن الإمام مخير في السلب يفعل فيه ما شاء ، وقد سبق الرد على مذهبهم هذا . والله أعلم .

                                                                                                                ( الرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ ابن عفراء ) فهكذا رواه البخاري ومسلم من رواية يوسف بن الماجشون ، وجاء في صحيح البخاري أيضا من حديث إبراهيم بن سعد أن الذي ضربه ابنا عفراء ، وذكره أيضا من رواية ابن مسعود وأن ابني عفراء ضرباه حتى برد ، وذكر ذلك مسلم بعد هذا ، وذكر غيرهما أن ابن مسعود - رضي الله عنه - هو الذي أجهز عليه وأخذ رأسه ، وكان وجده وبه رمق ، وله معه خبر معروف ، قال القاضي : هذا قول أكثر أهل السير ، قلت : يحمل على أن الثلاثة اشتركوا في قتله ، وكان الإثخان من معاذ بن عمرو بن الجموح ، وجاء ابن مسعود بعد ذلك وفيه رمق فحز رقبته .

                                                                                                                وفي هذا الحديث من الفوائد المبادرة إلى الخيرات ، والاشتياق إلى الفضائل .

                                                                                                                وفيه الغضب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                وفيه أنه ينبغي ألا يحتقر أحد ، فقد يكون بعض من يستصغر عن القيام بأمر أكبر مما في النفوس أحق بذلك الأمر كما جرى لهذين الغلامين ، واحتجت به المالكية في أن استحقاق القاتل السلب يكفي فيه قوله بلا بينة ، وجواب أصحابنا عنه لعله صلى الله عليه وسلم علم ذلك ببينة أو غيرها .




                                                                                                                الخدمات العلمية