الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 152 ] أبو موسى المديني

الإمام العلامة ، الحافظ الكبير ، الثقة ، شيخ المحدثين أبو موسى محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي عيسى المديني الأصبهاني الشافعي صاحب التصانيف .

مولده في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة .

ومولد أبيه المقرئ أبي بكر في سنة خمس وستين وأربعمائة .

حرص عليه أبوه ، وسمعه حضورا ، ثم سماعا كثيرا من أصحاب أبي نعيم الحافظ ، وطبقتهم .

وعمل أبو موسى لنفسه معجما روى فيه عن أكثر من ثلاثمائة شيخ .

روى عن : أبي سعد محمد بن محمد بن المطرز حضورا [ ص: 153 ] وإجازة وعن أبي منصور محمد بن عبد الله بن مندويه ، وغانم بن أبي نصر البرجي ، وأبي علي الحداد فأكثر جدا ، والحافظ هبة الله بن الحسن الأبرقوهي ، والحافظ يحيى بن منده ، والحافظ محمد بن طاهر المقدسي ، وأبي العباس أحمد بن الحسين بن أبي ذر ، ومحمد بن إبراهيم الصالحاني وابن عمه أبي بكر محمد بن علي بن أبي ذر خاتمة من روى عن أبي طاهر بن عبد الرحيم ، وأبي غالب أحمد بن العباس بن كوشيذ ، وإبراهيم بن أبي الحسين بن أبرويه ، سبط الصالحاني , وعبد الواحد بن محمد الصباغ الدشتج وأبي الفتح إسماعيل بن الفضل السراج ، والحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن أبي الفضل التيمي ، لازمه مدة ، وتخرج به ، وأبي طاهر إسحاق بن أحمد الراشتيناني والواعظ تميم بن علي القصار ، والرئيس جعفر بن عبد الواحد الثقفي ، وأبي محمد حمزة بن العباس العلوي ، وأبي شكر حمد بن علي الحبال ، وأبي الطيب حبيب بن أبي مسلم الطهراني ، وأبي الفتح رجاء بن إبراهيم الخباز ، وطلحة بن الحسين بن أبي ذر الصالحاني ، وأبي القاسم طاهر بن أحمد البزار , والحافظ أبي الخير عبد الله بن مرزوق الهروي ، وأبي بكر عبد الجبار بن عبيد الله بن فورويه الدلال من أصحاب أبي نعيم ، وأبي [ ص: 154 ] نهشل عبد الصمد بن أحمد العنبري ، ومحمود بن إسماعيل الصيرفي الأشقر ، والهيثم بن محمد بن الهيثم الأشعري ، وخجستة بنت علي بن أبي ذر الصالحانية ، وأم الليث دعجاء بنت أبي سهل الفضل بن محمد ، وفاطمة بنت عبد الله الجوزدانية .

وارتحل ، فسمع من أبي القاسم بن الحصين وهبة الله بن أحمد بن الطبر ، وقاضي المارستان أبي بكر ، وأبي الحسن بن الزاغوني ، وأبي العز بن كادش ، وخلق سواهم .

وصنف كتاب " الطوالات " في مجلدين ، يخضع له في جمعه ، وكتاب " ذيل معرفة الصحابة " جمع فأوعى ، وألف كتاب " القنوت " في مجلد ، وكتاب " تتمة الغريبين " يدل على براعته في اللغة ، وكتاب " اللطائف في رواية الكبار ونحوهم عن الصغار " ، وكتاب " عوالي " ينبئ بتقدمه في معرفة العالي والنازل ، وكتاب " تضييع العمر في اصطناع المعروف إلى اللئام " وأشياء كثيرة .

[ ص: 155 ] وحفظ " علوم الحديث " للحاكم ، وعرضه على إسماعيل التيمي .

حدث عنه : أبو سعد السمعاني ، وأبو بكر محمد بن موسى الحازمي ، وأبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ، وأبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي ، ومحمد بن مكي الأصبهاني ، وأبو نجيح محمد بن معاوية ، والناصح عبد الرحمن بن الحنبلي . ولو سلمت أصبهان من سيف التتار في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ، لعاش أصحاب أبي موسى إلى حدود نيف وستين وستمائة .

وقد روى عنه بالإجازة عبد الله بن بركات الخشوعي ، وطائفة . قال ابن الدبيثي عاش أبو موسى حتى صار أوحد وقته ، وشيخ زمانه إسنادا وحفظا .

وقال أبو سعد السمعاني سمعت من أبي موسى ، وكتب عني ، وهو ثقة صدوق .

وقال عبد القادر الحافظ حصل أبو موسى من المسموعات بأصبهان ما لم يحصل لأحد في زمانه ، وانضم إلى ذلك الحفظ والإتقان ، وله التصانيف التي أربى فيها على المتقدمين ، مع الثقة ، والعفة ، كان له شيء يسير يتربح به ، وينفق منه ، ولا يقبل من أحد شيئا قط ، أوصى إليه غير [ ص: 156 ] واحد بمال ، فيرده ، فكان يقال له : فرقه على من ترى ، فيمتنع ، وكان فيه من التواضع بحيث أنه يقرئ الصغير والكبير ، ويرشد المبتدئ ، رأيته يحفظ الصبيان القرآن في الألواح ، وكان يمنع من يمشي معه ، فعلت ذلك مرة ، فزجرني ، وترددت إليه نحوا من سنة ونصف ، فما رأيت منه ، ولا سمعت عنه سقطة تعاب عليه .

وكان أبو مسعود كوتاه يقول : أبو موسى كنز مخفي .

قال الحسين بن يوحن الباوري : كنت في مدينة الخان فسألني سائل عن رؤيا ، فقال : رأيت كأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توفي ، فقال : إن صدقت رؤياك ، يموت إمام لا نظير له في زمانه ; فإن مثل هذا المنام رئي حال وفاة الشافعي والثوري وأحمد بن حنبل ، قال : فما أمسينا حتى جاءنا الخبر بوفاة الحافظ أبي موسى المديني .

وعن عبد الله بن محمد الخجندي ، قال : لما مات أبو موسى ، لم يكادوا أن يفرغوا منه ، حتى جاء مطر عظيم في الحر الشديد ، وكان الماء قليلا بأصبهان ، فما انفصل أحد عن المكان مع كثرة الخلق إلا قليلا ، وكان قد ذكر في آخر إملاء أملاه : أنه متى مات من له منزلة عند الله ، فإن الله يبعث سحابا يوم موته علامة للمغفرة له ، ولمن صلى عليه .

سمعت شيخنا العلامة أبا العباس بن عبد الحليم يثني على حفظ أبي موسى ويقدمه على الحافظ ابن عساكر باعتبار تصانيفه ونفعها .

[ ص: 157 ] وقال محمد بن محمود الرويدشتي توفي أبو موسى في تاسع جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة .

قلت : كان حافظ المشرق في زمانه .

وفيها مات حافظ المغرب أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي مصنف " الأحكام " ، وعالم الأندلس الحافظ أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن إصبغ الخثعمي السهيلي المالقي الضرير صاحب " الروض الأنف " ، ومسند الوقت أبو الفتح عبيد الله بن عبد الله بن شاتيل الدباس ببغداد ، وحافظ أصبهان الإمام أبو سعد محمد بن عبد الواحد الصائغ ، ومسند دمشق أبو محمد عبد الرزاق بن نصر النجار ، وأبو المجد الفضل بن الحسن البانياسي ، وشيخ حران الزاهد الشيخ حياة بن قيس الأنصاري ، وشيخ الإسكندرية الفقيه أبو الطاهر إسماعيل بن عوف الزهري عن ست وتسعين سنة ، ومحدث مكة أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانشي .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي بن فضل الحنبلي بقراءتي ، أخبرنا عبد الرحمن بن نجم الواعظ ، أخبرنا محمد بن أبي بكر المديني الحافظ ، أخبرنا أبو علي الحداد ، أخبرنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا أبو إسحاق بن حمزة ، حدثنا عبدان وبه إلى أبي نعيم ، وحدثنا الحسين بن محمد بن رزين الخياط ، حدثنا محمد بن محمد بن سليمان ، قالا : حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا صدقة بن خالد ، حدثنا عبد الرحمن بن جابر ، حدثنا عطية بن قيس ، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري ، قال : أخبرني أبو عامر أو أبو [ ص: 158 ] مالك الأشعري والله ما كذبني ، أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول : ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ، ولينزلن أقوام إلى جنب علم تروح عليهم سارحة ، فيأتيهم رجل لحاجة ، فيقولون له : ارجع إلينا غدا ، فيبيتهم الله -تعالى- ويضع العلم عليهم ، ويمسخ آخرون قردة وخنازير .

رواه البخاري عن هشام تعليقا ، فقال : وقال هشام . وأخرجه أبو داود من طريق بشر بن بكر التنيسي ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بنحوه .

المعازف : اسم لكل آلات الملاهي التي يعزف بها ، كالزمر ، والطنبور ، والشبابة ، والصنوج .

أخبرنا محمد بن أبي العز بطرابلس ، أخبرنا عبد الرحمن بن نجم الواعظ سنة ثمان وعشرين وستمائة ، أخبرنا محمد بن أبي بكر الحافظ بأصبهان ، أخبرنا محمد بن عبد الواحد القاضي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله ، حدثنا أحمد بن يوسف العطار ، حدثنا الحارث بن محمد التميمي ، حدثنا عبد الله بن بكر ، حدثنا حميد عن أنس قال : رجع رسول -صلى الله عليه وسلم- من غزوة تبوك ، فلما دنوا من المدينة قال : إن بالمدينة لأقواما ما قطعتم من واد ، ولا سرتم من مسير إلا كانوا معكم فيه ، قالوا : يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال : نعم ، خلفهم العذر .

[ ص: 159 ] قال ابن النجار انتشر علم أبي موسى في الآفاق ، ونفع الله به المسلمين ، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره من الحفظ والعلم والثقة والإتقان والصلاح وحسن الطريقة وصحة النقل . قرأ القرآن بالروايات ، وتفقه للشافعي ، ومهر في النحو واللغة ، وكتب الكثير . رحل إلى بغداد ، وحج سنة أربع وعشرين وسنة اثنتين وأربعين .

قال إسماعيل التيمي لطالب : الزم الحافظ أبا موسي ; فإنه شاب متقن .

وقال محمد بن محمود الرويدشتي : صنف الأئمة في مناقب شيخنا أبي موسى تصانيف كثيرة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث