الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                              3251 3434 - وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل، وأرعاه على زوج في ذات يده". يقول أبو هريرة على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط. تابعه ابن أخي الزهري وإسحاق الكلبي، عن الزهري. [5082، 5365 - مسلم: 2527 - فتح: 6 \ 472]

                                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                              وأصل بشر: أظهرت في وجهه السرور، وفيه التشديد والتخفيف كما ذكره.

                                                                                                                                                                                                                              وفي تسمية عيسى بالكلمة أقوال:

                                                                                                                                                                                                                              أحدها: أنه لما قال الله: كن فكان، سماه بالكلمة فالمعنى قد كلمه الله، وقيل: سمي بها، كما يقال: عبد الله وألقاها على اللفظ.

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 543 ] وقيل: لما كانت الأنبياء بشرت به وأعلمت أنه يكون من غير فحل، وبشر الله به مريم في قوله: لأهب لك غلاما زكيا [مريم: 9] فلما ولدته على تلك الصفة قال الله: هذه كلمتي. كما تخبر بالشيء، فإذا كان قيل: هذا قولي. وقيل: سمي كلمة; لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بالكلمة.

                                                                                                                                                                                                                              وقوله: وجيها : شريفا (الكهل) هو: الحليم، قاله مجاهد كما نقله عنه البخاري، وأسنده عبد بن حميد من حديث ابن أبي نجيح عنه، زاد غيره وهو الذي تجاوز ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة، وقيل: ابن ثلاث وثلاثين سنة.

                                                                                                                                                                                                                              وقال يزيد بن أبي حبيب: الكهل: منتهى الحلم، والفائدة في قوله: وكهلا أنه أعلمها أنه يعيش إلى حينئذ، وقال ابن عباس: إذا أنزله الله أنزله ابن ثلاث وثلاثين سنة فيقول: إني عبد الله كما قال في المهد، وقال ابن فارس: الكهل: الرجل وخطه الشيب.

                                                                                                                                                                                                                              وقد أسلفنا في تسمية المسيح أقوالا: الصديق كما ذكره البخاري، عن إبراهيم، أو لحسنه، أو لأنه كان يقطع الأرض ويمسحها لسياحته في الأرض فتارة كان بالشام وتارة بمصر، (والمهامي) والقفار، مفعل وعلى الأول فعيل، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، أو لأن زكريا مسحه، أو أنه اسم خصه الله به، أو لأنه كان لا أخمص [ ص: 544 ] برجله، أو لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، أو لأنه كان يلبس المسوح قاله الداودي، أو لأنه مسح بالبركة حين ولد، قال تعالى: وجعلني مباركا أين ما كنت [مريم: 31] أو لأن الله تعالى مسح الذنوب عنه.

                                                                                                                                                                                                                              (والأكمه: من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل) قاله مجاهد (وقال غيره: من يولد أعمى) ذكره البخاري. وزاد الهروي: من عمي بعد الولادة. وقال الضحاك وابن فارس: إنه الأعمى.

                                                                                                                                                                                                                              ذكر البخاري في الباب الأول (أحد عشر) حديثا وحديثين في الباب الثاني. أما الحديث الذي في الباب الأول فأخرجه من حديث النضر عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة" وسيأتي في فضائل خديجة، وأخرجه مسلم والترمذي، وقال: حسن صحيح، والنسائي.

                                                                                                                                                                                                                              قال الدارقطني: رواه ابن جريج وابن إسحاق عن هشام، عن أبيه فقالا: عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر، عن علي، [ ص: 545 ] والصواب حذفه، وذكر ابن عبد البر أن ابن جريج رواه أيضا بإسقاطه كالجماعة، قال الدارقطني: ورواه أيضا (عبيد الله) ومحمد ابنا المنذر بن عبيد الله بن المنذر بن الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن ابن جعفر، وأغربا بحديث آخر بهذا السند لم يتابعهما غيرهما وهو أنه - صلى الله عليه وسلم - بشر خديجة ببيت من قصب اللؤلؤ. وقال حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير نسائها" فذكره مرسلا.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: وله شواهد، فللنسائي من حديث علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعا: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية" ولابن عبد البر من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعا: "سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم خديجة وفاطمة وآسية" وللترمذي من حديث معمر عن قتادة، عن أنس مرفوعا: "حسبك من نساء العالمين مريم وخديجة وفاطمة وآسية" وهذا الضمير عائد إلى غير مذكور، لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني به الدنيا، نبه عليه القرطبي. وفي رواية: وأشار وكيع إلى السماء والأرض، يريد الدنيا. كأنه يفسر ذلك الضمير، وهذا نحو حديث ابن عباس: "خير نساء العالمين مريم"

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 546 ] ويشهد له قوله تعالى عن الملائكة: إن الله اصطفاك الآية، وظاهره يقتضي أنها خير نساء العالمين من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، قال: ويعتضد هذا الظاهر بأنها صديقة ونبية، وهو أولى من قول من قال: إنها غير نبية، وإذا ثبت ذلك -ولم يسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها- فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين؛ إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع.

                                                                                                                                                                                                                              قلت: كذا ادعى، وروى الحاكم في "مستدركه" من حديث ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ملك استأذن الله أن يسلم عليه لم ينزل قبلها قال: "فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" ثم قال: تابعه أبو مري الأنصاري عن المنهال فذكره. ثم قال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

                                                                                                                                                                                                                              وروى في فضائلها بإسناده إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال علي - رضي الله عنه -: لقد علمتم أني أخو النبي - صلى الله عليه وسلم - ووزيره، وأني أولكم إيمانا، وأبو ولديه، وزوج ابنته سيدة ولده وسيدة نساء أهل الجنة. قال جعفر بن محمد: وكانت تسمى الصديقة.

                                                                                                                                                                                                                              والحديث الأول من الباب الثاني وهو حديث أبي موسى - رضي الله عنه -: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" سلف قريبا في باب وضرب الله مثلا

                                                                                                                                                                                                                              [ ص: 547 ] والحديث الثاني ذكره معلقا فقال: وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل وأرعاه على زوج في ذات يده" يقول أبو هريرة - رضي الله عنه - على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط. وهذا التعليق أسنده مسلم عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، ثم قال البخاري: تابعه ابن أخي الزهري، وإسحاق الكلبي عن الزهري.

                                                                                                                                                                                                                              زاد الإسماعيلي: وتابعه أيضا معمر وصفوان بن عمرو.

                                                                                                                                                                                                                              وحديث معمر عند مسلم بلفظ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب أم هانئ بنت أبي طالب فقالت: يا رسول الله قد كبرت ولي عيال فقال: "خير نساء".

                                                                                                                                                                                                                              وفي رواية عند عبد الرحمن بن مقرب التجيبي في كتابه "مناقب قريش": "أحناه على يتيم" وأخرجه البخاري في النفقات في موضعين والنكاح.

                                                                                                                                                                                                                              واسم (ابن أخي الزهري) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، قتله غلمانه بأمر ابنه -وكان سفيها شاطرا- للميراث في آخر خلافة أبي جعفر، ثم وثب الغلمان عليه بعد سنين فقتلوه.

                                                                                                                                                                                                                              وقال ابن أبي حاتم: إسحاق بن يحيى الكلبي الحمصي روى عن الزهري، وعنه يحيى بن صالح الوحاظي، سمعت أبي وأبا زرعة [ ص: 548 ] يقولان ذلك. زاد أبو زرعة: يعد في الحمصيين.

                                                                                                                                                                                                                              ومعنى: "أحناه على طفل": أشفقه، يقال: حنا عليه يحنو، وأحنى يحني وحنى يحني: إذا أشفق عليه وعطف، ومنه: حنت المرأة على ولدها تحنو إذا لم تتزوج بعد أبيهم. وفي بعض الكتب: (أحناة) بتشديد النون والتنوين.

                                                                                                                                                                                                                              قال ابن التين: ولعله مأخوذ من الحنان وهي الرحمة، ومنه حنين المرأة: نزاعها إلى ولدها وإن لم يكن لها عند ذلك صوت، وقد يكون حنينها صوتها على ما جاء في الحديث من حنين الجذع، والأصل فيه ترجيع الناقة صوتها على إثر ولدها.

                                                                                                                                                                                                                              فصل:

                                                                                                                                                                                                                              يؤخذ من قول أبي هريرة: (لم تركب مريم بعيرا قط) ومن ذكر البخاري له في قصة مريم تفضيلها على خديجة وفاطمة; لأنهما من العرب المخصوصين بركوب الإبل، وقد سلف.

                                                                                                                                                                                                                              والحنو: الشفقة كما سبق. والرعاء: الحفظ، وإنما يأتي ذلك من الصلاح والخير.




                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية