الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      صفحة جزء
                                      [ ص: 310 ] قال المصنف - رحمه الله تعالى - ولا يجوز بيع المعدوم كالثمرة التي لم تخلق لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن بيع الغرر } والغرر ما انطوى عنه أمره ، وخفي عليه عاقبته ، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في وصف أبي بكر رضي الله عنه " فرد نشر الإسلام على غره " أي على طيه والمعدوم قد انطوى عنه أمره ، وخفي عليه عاقبته ، فلم يجز بيعه ، وروى جابر رضي الله عنه " { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المعاومة - وفي بعضها - عن بيع السنين }

                                      [ ص: 311 ]

                                      التالي السابق


                                      ( الشرح ) حديث أبي هريرة رواه مسلم وحديث جابر رواه مسلم أيضا ولفظه : { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين } وفي رواية أبي داود ذكر السنين والمعاومة ، كما ذكره المصنف وإسناده إسناد الصحيح ولفظ المعاومة في الترمذي أيضا ، وقال : هو حديث حسن صحيح ، وفي رواية لمسلم : بيع تمر سنتين . وهو مفسر لبيع السنين وبيع المعاومة . ( وأما ) الأثر المذكور عن عائشة فمشهور من جملة خطبتها المشهورة التي ذكرت فيها أحوال أبيها وفضائله ، و ( قولها : ) نشر الإسلام هو بفتح النون والشين ، والإسلام مجرور بالإضافة أي رد ما انتشر من الإسلام ودخله من الاختلاف وتفرق الكلمة إلى ما كان عليه في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهو المراد بقولها : على غره والله تعالى أعلم .

                                      ( أما حكم المسألة ) فبيع المعدوم باطل بالإجماع ونقل ابن المنذر وغيره إجماع المسلمين على بطلان بيع الثمرة سنتين ونحو ذلك .



                                      [ ص: 311 ] فرع ) الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث ، والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز عنه ( فأما ) ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أنثى ، وكامل الأعضاء أو ناقصها ، وكشراء الشاة في ضرعها لبن ، ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع ونقل العلماء الإجماع أيضا في أشياء غررها حقير ( منها ) أن الأمة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة ، وإن لم ير ; حشوها ولو باع حشوها منفردا لم يصح . وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرا ، مع أنه قد يكون ثلاثين يوما ، وقد يكون تسعة وعشرين . وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام . قال العلماء : مدار البطلان بسبب الغرر ، والصحة مع وجوده على ما ذكرناه ، وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة ، أو كان الغرر حقيرا جاز البيع ، وإلا فلا ، وقد تختلف العلماء في بعض المسائل كبيع العين الغائبة ، وبيع الحنطة في سنبلها ، ويكون اختلافهم مبنيا على هذه القاعدة ، فبعضهم يرى الغرر يسيرا لا يؤثر ، وبعضهم يراه مؤثرا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .




                                      الخدمات العلمية