الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد يقول إن الوتر واجب فقال المخدجي فرحت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد فقال عبادة كذب أبو محمد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          270 267 - ( مالك عن يحيى بن سعيد ) الأنصاري ( عن محمد بن يحيى بن حبان ) بفتح المهملة والموحدة الثقيلة ابن منقذ الأنصاري المدني ثقة فقيه روى له الجماعات مات سنة إحدى وعشرين ومائة وهو ابن أربع وسبعين سنة .

                                                                                                          ( عن ) عبد الله ( بن محيريز ) بميم ومهملة وراء وآخره زاي منقوطة مصغر ابن جنادة بن وهب الجمحي بضم الجيم وفتح الميم فمهملة المكي ، كان يتيما في حجر أبي محذورة بمكة ثم نزل بيت المقدس ، عابد ثقة روى له الستة ومات سنة تسع وتسعين وقيل قبلها ( أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي ) بميم مضمومة ومعجمة ساكنة وفتح الدال المهملة وكسرها بعدها جيم فتحتية آخره منسوب إلى [ ص: 445 ] مخدج بن الحارث كذا في الترتيب .

                                                                                                          وقال ابن عبد البر : لقب وليس بنسب في شيء من قبائل العرب قال : وهو مجهول لا يعرف بغير هذا الحديث وقيل اسمه رفيع ( سمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد ) الأنصاري صحابي ، قال في الإصابة : قيل اسمه مسعود بن أوس بن زيد بن أصرم ، وقيل مسعود بن زيد بن سبع ، وقيل اسمه قيس بن عامر بن الحارث الخولاني حليف بني حارثة من الأوس ، وقيل مسعود بن يزيد عداده في الشاميين وسكن داريا ، وقيل اسمه سعد بن أوس ، وقيل قيس بن عباية ، قال ابن يونس : شهد فتح مصر ، وقال ابن سعد : مات في خلافة عمر ، وزعم ابن الكلبي أنه شهد بدرا ثم شهد مع علي صفين ، وفي كتاب قيام الليل لمحمد بن نصر من طريق عبد الله بن محيريز عن رفيع قال : تذاكرنا الوتر فقال رجل من الأنصار يكنى أبا محمد من الصحابة ( يقول : إن الوتر واجب ) وبه قال ابن المسيب وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود والضحاك رواه ابن أبي شيبة عنهم ، وأخرج عن مجاهد : الوتر واجب ولم يكتب ، ونقله ابن العربي عن أصبغ وسحنون وكأنهما أخذاه من قول مالك : من تركه أدب وكان جرحة في شهادته ، كذا في الفتح .

                                                                                                          وقال ابن زرقون : قال سحنون : يجرح تارك الوتر .

                                                                                                          وقال أصبغ : يؤدب تاركه فجعلاه واجبا .

                                                                                                          وقال ابن عبد البر : القول بأن الوتر سنة وليس بواجب يكاد يكون إجماعا لشذوذ الخلاف فيه .

                                                                                                          ( فقال المخدجي : فرحت إلى عبادة بن الصامت ) بن قيس الأنصاري الخزرجي المدني أحد النقباء البدري مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وله ثنتان وسبعون سنة وقيل عاش إلى خلافة معاوية ، قال سعيد بن عفير : كان طوله عشرة أشبار .

                                                                                                          ( فاعترضت ) أي تصديت ( له ) وتطلبته ( وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد ) أن الوتر واجب ( فقال عبادة : كذب أبو محمد ) قال الباجي : أي وهم وغلط والكذب ثلاثة أوجه : أحدها على وجه السهو فيما خفي عليه ولا إثم فيه .

                                                                                                          ثانيها : أن يعمده فيما لا يحل فيه الصدق كأن يسأل عن رجل يراد قتله ظلما فيجب الكذب ولا يخبر بموضعه .

                                                                                                          والثالث : يأثم فيه صاحبه وهو قصد الكذب فيما يحرم فيه قصده .

                                                                                                          ( سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : خمس صلوات كتبهن ) أي فرضهن .

                                                                                                          وفي رواية لأبي داود وغيره عن عبادة : افترضهن ( الله - عز وجل - على العباد ) فأفاد أنه لم يكتب غيرهن ومنه الوتر ( فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن ) قال الباجي : احترازا من السهو والنسيان الذي لا يمكن أحد الاحتراز منه إلا من [ ص: 446 ] خصه الله بالعصمة .

                                                                                                          وقال ابن عبد البر : ذهبت طائفة إلى أن التضييع للصلاة المشار إليه هنا أن لا يقيم حدودها من مراعاة وقت وطهارة وإتمام ركوع وسجود ونحو ذلك وهو مع ذلك يصليها انتهى .

                                                                                                          ويؤيده رواية الترمذي وأبي داود من وجه آخر عن عبادة عنه - صلى الله عليه وسلم - : " خمس افترضهن الله من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وسجودهن وخشوعهن " ( كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ) مع السابقين أو من غير تقدم عذاب ، ووجه استدلال عبادة بهذا على أن الوتر ليس بواجب جعله العهد لمن جاء بهن فيفيد دخولها وإن لم يجئ بغيرهن ومنه الوتر ، ولأبي داود والترمذي والنسائي من الوجه الآخر عن عبادة : " كان له على الله عهد أن يغفر له " والجملة في هذا وقوله في حديث الباب أن يدخله خبر مبتدأ مقدر أي هو أن . . . . . إلخ ، أو صفة عهد أو بدل من عهد وهو الأمان والميثاق وعهد الله واقع لا محالة لن يخلف الله عهده .

                                                                                                          ( ومن لم يأت بهن ) على الوجه المطلوب شرعا ( فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه ) عدلا ( وإن شاء أدخله الجنة ) برحمته فضلا ، وفيه أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه بل هو تحت المشيئة بنص الحديث ، وقد أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من طريق مالك ، وصححه ابن حبان والحاكم وابن عبد البر ، وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود والترمذي والنسائي والبيهقي ، وله شاهد عند محمد بن نصر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي .




                                                                                                          الخدمات العلمية