الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4085 ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أنه قد يجوز أن يكون النبي -عليه السلام- قصد إلى التنعيم في ذلك لأنه كان أقرب الحل منها؛ لأن غيره من الحل ليس هو في ذلك كهو، ويحتمل أيضا أن يكون أراد به التوقيت لأهل مكة في العمرة ولا يجاوزوه لها إلى غيره.

                                                فنظرنا في ذلك فإذا يزيد بن سنان قد حدثنا، قال: ثنا عثمان بن عمر ، قال: ثنا أبو عامر صالح بن رستم ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة -رضي الله عنهما- قالت: "دخل علي رسول الله -عليه السلام- بسرف ، وأنا أبكي، فقال: ما ذاك؟ قلت: حضت، قال: فلا تبكي، اصنعي ما يصنع الحاج، فقدمنا مكة، ، ثم أتينا منى، ثم غدونا إلى عرفة، ، ثم رمينا الجمرة تلك الأيام، فلما كان يوم النفر [ ارتحل] فنزل الحصبة، قالت: والله ما نزلها إلا من أجلي، فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر ، -رضي الله عنهما- فقال: احمل أختك فأخرجها من الحرم، . قالت: والله ما ذكر الجعرانة ، ولا التنعيم، ، فلتهل بعمرة فكان أدنانا من الحرم التنعيم، ، فأهللت بعمرة، فطفنا بالبيت ، وسعينا بين الصفا والمروة ، ثم أتينا فارتحل".

                                                فأخبرت عائشة أن النبي -عليه السلام- لم يقصد لما أراد أن يعمرها إلا إلى الحل لا إلى موضع منه بعينه خاصة، وأنه إنما قصد بها عبد الرحمن التنعيم ؛ لأنه كان أقرب الحل إليهم، لا لمعنى فيه يبين من سائر الحل غيره، فثبت بذلك أن وقت أهل مكة لعمرتهم هو الحل، وأن التنعيم في ذلك وغيره سواء، وهذا كله قول أبي حنيفة 5 وأبي يوسف 5 ومحمد ، -رحمهم الله-.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين، وأراد بها الجواب عما احتج به أهل المقالة الأولى، بيانه: أن أمره -عليه السلام- عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم يحتمل

                                                [ ص: 159 ] أن يكون قصد به إلى أنه كان أقرب الحل من مكة لأن غير التنعيم ليس كالتنعيم في ذلك، وهو معنى قوله: "لأن غيره من الحل ليس هو في ذلك كهو" أي لأن غير التنعيم ليس هو في القرب كهو أي كالتنعيم، ذلك لأن بين التنعيم الذي هو منتهى حد الحرم قربا من المدينة وبين مكة نحو من أربعة أميال، وغيره أبعد منه؛ لأنهم ذكروا أن حد الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق اليمن والعراق وعرفة والطائف وبطن نمرة سبعة أميال، ومن طريق الجعرانة تسعة أميال، ومن طريق جدة عشرة أميال، ومن بطن عرنة أحد عشر ميلا، فهذا كما رأيت أقرب الحل إلى مكة التنعيم؛ لأنه على طريق المدينة، وقال بعضهم: حد الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال عند بيوت السقيا، ومن اليمن سبعة أميال عند أضاة ليف، ومن العراق سبعة أميال على ثنية رحل وهو جبل بالمنقطع، ومن الجعرانة سبعة أميال من شعب ينسب إلى عبد الله بن خالد بن أسيد، ومن جدة عشرة أميال عند منقطع الأعناس، ومن الطائف سبعة أميال عند طرف عرنة ومن بطن عرنة أحد عشر ميلا، ويحتمل أيضا أن يكون النبي -عليه السلام- أراد به التوقيت لأهل مكة في العمرة، والتعيين به كما ذهب إليه أهل المقالة الأولى.

                                                فلما تحقق الاحتمالان نظرنا في ذلك، فوجدنا حديث ابن أبي مليكة ، عن عائشة يخبر أنه -عليه السلام- لما أعمرها لم يقصد إلا إلى الحل الذي هو خارج الحرم ولم يقصد إلى موضع معين خاص، فظهر أن قوله في الحديث الآخر: "أعمرها من التنعيم" إنما كان لكونه أقرب الحل إلى مكة، لا لمعنى آخر في التنعيم مختص به ويمتاز به عن غيره من سائر الحل.

                                                فثبت بذلك أن وقت من كان بمكة للعمرة هو الحل أي حل كان، وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء.

                                                ثم إسناد الحديث المذكور صحيح ورجاله رجال الجماعة غير يزيد بن سنان القزاز ، وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله القرشي أبو محمد الأحول المكي القاضي لابن الزبير والمؤذن له .

                                                [ ص: 160 ] وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا صالح بن رستم ، عن ابن أبي مليكة، قال: قالت عائشة -رضي الله عنها-: "دخل علي النبي -عليه السلام- وأنا بسرف وأنا أبكي، فقال: ما يبكيك يا عائشة؟ قالت: قلت: يرجع الناس بنسكين ثم أرجع بنسك واحد، قال: ولم ذلك؟ قلت: إني حضت، قال: ذاك شيء كتبه الله على بنات آدم [اصنعي] ما يصنع الحاج، قالت: فقدمنا مكة، ثم ارتحلنا إلى منى، ثم ارتحلنا إلى عرفة، ثم وقفنا مع الناس، ثم وقفت بجمع، ثم رميت الجمرة يوم النحر، ثم رميت الجمار مع الناس تلك الأيام، قالت: ثم ارتحل حتى نزل الحصبة، قالت: والله ما نزلها إلا من أجلي -أو قال ابن أبي مليكة فيها: إلا من أجلها- ثم أرسل إلى عبد الرحمن فقال: احملها خلفك حتى تخرجها من الحرم، فوالله ما قال فتخرجها إلى الجعرانة ولا إلى التنعيم فلتهل بعمرة، قالت: فانطلقنا، فكان أدنانا إلى الحرم التنعيم، فأهللت منه بعمرة ثم أقبلت، فأتيت البيت فطفت به وطفت بين الصفا والمروة، ثم أتيته فارتحل، قال ابن أبي مليكة: وكانت عائشة -رضي الله عنها- تفعل ذلك بعده".

                                                وهذا الحديث أخرجه الجماعة وغيرهم من أهل السنة والمسانيد بوجوه مختلفة وطرق متعددة.

                                                قوله: "بسرف" أي من سرف -بفتح السين وكسر الراء المهملتين، وفي آخره فاء- موضع بينه وبين مكة ستة أميال، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة، وقد مر تفسيره مرة.

                                                قوله: "فلما كان النفر" أي الرحيل، وهو اليوم الثالث من أيام منى.

                                                قوله: "فنزل الحصبة" بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين، أي المحصب وهو موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب وإليها يضاف، ويعرف بالبطحاء

                                                [ ص: 161 ] والأبطح، وهو خيف بني كنانة، قال الخطابي: هو فم الشعب الذي يجمع إلى الأبطح، وهو منزل النبي -عليه السلام- في حجته، وبه كانت تقاسمت قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب في شأن الصحيفة.

                                                قوله: "الجعرانة" بكسر الجيم وسكون العين، ويروى بكسر العين وتشديد الراء، وهو موضع معروف بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أقرب، وقد مر تفسيرها مرة.

                                                قوله: "فكان أدنانا" أي أقربنا وفي رواية "أدناها" أي أقربها وهي الأظهر.

                                                ***




                                                الخدمات العلمية