الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                        صفحة جزء
                                                        6018 - وقد حدثنا أبو العوام محمد بن عبد الله بن عبد الجبار المرادي ، قال : ثنا يحيى بن حسان ، قال : ثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن أبي المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد الخدري ، أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كانوا في غزاة ، فمروا بحي من أحياء العرب ، فقالوا : هل فيكم من راق ؟ فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له شيء .

                                                        [ ص: 127 ] قال : فرقاه رجل بفاتحة الكتاب فبرأ ، فأعطي قطيعا من الغنم فأبى أن يقبله .

                                                        فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : بم رقيته ؟ فقال : بفاتحة الكتاب .

                                                        قال : وما يدريك أنها رقية ؟ قال : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوها واضربوا لي معكم فيها بسهم
                                                        .

                                                        فاحتج قوم بهذه الآثار ، فقالوا : لا بأس بالجعل على تعليم القرآن .

                                                        وخالفهم في ذلك آخرون ، فكرهوا الجعل على تعليم القرآن كما قد يكره الجعل على تعليم الصلاة .

                                                        وقد كان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى في ذلك أن الآثار الأول في ذلك لم يكن الجعل المذكور فيها على تعليم القرآن ، وإنما كان على الرقى التي لم يقصد بالاستيجار عليها إلى القرآن .

                                                        وكذلك نقول نحن أيضا : لا بأس بالاستيجار على الرقى والعلاجات كلها ، وإن كنا نعلم أن المستأجر على ذلك قد يدخل فيما يرقي به بعض القرآن ؛ لأنه ليس على الناس أن يرقي بعضهم بعضا ، فإذا استؤجروا فيه على أن يعملوا ما ليس عليهم أن يعملوه جاز ذلك .

                                                        وتعليم القرآن على الناس واجب أن يعلمه بعضهم بعضا ؛ لأن في ذلك التبليغ عن الله تعالى ، إلا أن من علمه منهم أجزى ذلك عن بقيتهم كالصلاة على الجنائز ، إنما هي فرض على الناس جميعا ، إلا أن من فعل ذلك منهم أجزى عن بقيتهم .

                                                        ولو أن رجلا استأجر رجلا ليصلي على ولي له قد مات لم يجز ذلك ؛ لأنه إنما استأجره على أن يفعل ما عليه أن يفعل ذلك .

                                                        فكذلك تعليم الناس القرآن بعضهم بعضا هو عليهم فرض ، إلا أن من فعله منهم فقد أجزى فعله ذلك عن بقيتهم .

                                                        فإذا استأجر بعضهم بعضا على تعليم ذلك كانت إجارته تلك واستيجاره إياه باطلا ؛ لأنه إنما استأجره على أن يؤدي فرضا هو عليه لله تعالى ، وفيما يفعله لنفسه ؛ لأنه إنما يسقط عنه الفرض بفعله إياه ، والإجارات إنما تجوز وتملك بها الأبدال فيما يفعله المستأجرون للمستأجرين .

                                                        فإن قال قائل : فهل روي عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يدل على ما ذكرت في المنع من الاستيجار على تعليم القرآن ؟ قيل له : نعم قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أنه قال : لا تأكلوا بالقرآن .

                                                        وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال : كنت أقرئ ناسا من أهل الصفة القرآن ، فأهدى إلي رجل منهم قوسا على أن أقبلها في سبيل الله تعالى .

                                                        فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : إن أردت أن يطوقك الله بها قوسا من نار فاقبلها .

                                                        [ ص: 128 ] وقد ذكرنا ذلك كله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيدها فيما تقدم منا من كتابنا هذا في باب التزويج على سورة من القرآن من كتاب النكاح .

                                                        التالي السابق


                                                        الخدمات العلمية