الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


319 - الحديث الثاني : عن فاطمة بنت قيس " أن أبا عمرو بن حفص طلقها ألبتة ، وهو غائب - وفي رواية : { طلقها ثلاثا - فأرسل إليها وكيله بشعير ، فسخطته . فقال : والله ما لك علينا من شيء : فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ، فقال : ليس لك عليه نفقة } - وفي لفظ : { ولا سكنى - فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ، ثم قال : تلك امرأة يغشاها أصحابي ، اعتدي عند ابن أم مكتوم . فإنه رجل أعمى ، تضعين ثيابك ، فإذا حللت فآذنيني . قالت : فلما حللت ذكرت له : أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أبو جهم : فلا يضع عصاه عن عاتقه . وأما معاوية : فصعلوك لا مال له ، [ ص: 574 ] انكحي أسامة بن زيد ، فكرهته ثم قال : انكحي أسامة بن زيد ، فنكحته . فجعل الله فيه خيرا ، واغتبطت به } .

التالي السابق


قوله " طلقها ألبتة " يحتمل أن يكون حكاية للفظ أوقع به الطلاق . وقوله " طلقها ثلاثا " تعبير عما وقع من الطلاق بلفظ " ألبتة " . وهذا على مذهب من يجعل لفظ " ألبتة " للثلاث ، ويحتمل أن يكون اللفظ الذي وقع به الطلاق هو الطلاق الثلاث ، كما جاء في الرواية الأخرى ويكون قوله " طلقها ألبتة " تعبيرا عما وقع من الطلاق بلفظ " الطلاق ثلاثا " وهذا يتمسك به من يرى جواز إيقاع الطلاق الثلاث دفعة ، لعدم الإنكار من النبي صلى الله عليه وسلم . إلا أنه يحتمل أن يكون قوله " طلقها ثلاثا " أي أوقع طلقة تتم بها الثلاث . وقد جاء في بعض الروايات " ثلاث تطليقات " .



وقوله " وهو غائب " فيه دليل على وقوع الطلاق في غيبة المرأة ، وهو مجمع عليه . وقوله " فأرسل إليها وكيله بشعير " يحتمل أن يكون مرفوعا ويكون الوكيل هو المرسل . ويحتمل أن يكون منصوبا ويكون الوكيل هو المرسل . وقد عين بعضهم للرواية : الاحتمال الأول ، والضمير في قوله " وكيله " يعود على أبي عمرو بن حفص . وقيل : اسمه كنيته . وقيل : اسمه عبد الحميد . وقيل اسمه أحمد . وقال بعضهم : أبو حفص بن عمرو وقيل : أبو حفص بن المغيرة . ومن قال " أبو عمرو بن حفص " أكثر .



[ ص: 575 ] وقوله عليه السلام " ليس لك عليه نفقة " هذا مذهب الأكثرين ، إذا كانت البائن حائلا وأوجبها أبو حنيفة .

وقوله " ولا سكنى " هو مذهب أحمد ، وأوجب الشافعي ومالك السكنى لقوله تعالى : { أسكنوهن من حيث سكنتم } وأما سقوط النفقة : فأخذوه من مفهوم قوله تعالى { وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن } فمفهومه : إذا لم يكن حوامل لا ينفق عليهن . وقد نوزعوا في تناول الآية للبائن . أعني قوله " أسكنوهن " ومن قال : لها السكنى فهو محتاج إلى الاعتذار عن حديث فاطمة . فقيل في العذر : ما حكوه عن سعيد بن المسيب " أنها كانت امرأة لسنة استطالت على أحمائها ، فأمرها بالانتقال " . وقيل : لأنها خافت في ذلك المنزل . وقد جاء في كتاب مسلم { أخاف أن يقتحم علي } .

واعلم أن سياق الحديث على خلاف هذه التأويلات فإنه يقتضي أن سبب الحكم : أنها اختلفت مع الوكيل بسبب سخطها الشعير ، وأن الوكيل ذكر : أن لا نفقة لها وأن ذلك اقتضى أن سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابها بما أجاب . وذلك يقتضي : أن التعليل بسبب ما جرى من الاختلاف في وجود النفقة لا بسبب هذه الأمور التي ذكرت فإن قام دليل أقوى وأرجح من هذا الظاهر عمل به .

وقوله " فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك " قيل : اسمها غزية وقيل : غزيلة وهي قرشية عامرية وقيل : إنها أنصارية .



وقوله عليه السلام { تلك امرأة يغشاها أصحابي } قيل : كانوا يزورونها ، ويكثرون من التردد إليها لصلاحها . ففي الاعتداد عندها حرج ، ومشقة في التحفظ من الرؤية : إما رؤيتهم لها ، أو رؤيتها لهم ، على مذهب من يرى تحريم نظر المرأة للأجنبي ، أو لهما معا .

وقوله " اعتدي عند ابن أم مكتوم . فإنه رجل أعمى " قد يحتج به من يروي جواز نظر المرأة إلى الأجنبي ، فإنه علل بالعمى وهو مقتض لعدم رؤيته ، لا لعدم رؤيتها . فيدل على أن جواز الاعتداد عنده : معلل بالعمى المنافي لرؤيته [ ص: 576 ] واختار بعض المتأخرين تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي ، مستدلا بقوله تعالى { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم } { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن } وفيه نظر ; لأن لفظة " من " للتبعيض ولا خلاف أنها إذا خافت الفتنة حرم عليها النظر . فإذا هذه حالة يجب فيها الغض فيمكن حمل الآية عليها ولا تدل الآية حينئذ على وجوب الغض مطلقا ، أو في غير هذه الحالة وهذا إن لم يكن ظاهر اللفظ : فهو محتمل له احتمالا جيدا ، يتوقف معه الاستدلال على محل الخلاف .

وقال هذا المتأخر : وأما حديث فاطمة بنت قيس ، مع ابن أم مكتوم : فليس فيه إذن لها في النظر إليه ، بل فيه : أنها تأمن عنده من نظر غيره . وهي مأمورة بغض بصرها ، فيمكنها الاحتراز عن النظر بلا مشقة ، بخلاف مكثها في بيت أم شريك . وهذا الذي قاله : إعراض عن التعليل بعماه وما ذكره من المشقة : موجود في نظرها إليه ، مع مخالطتها له في البيت ، ويمكن أن يقال : إنما علل بالعمى لكونها تضع ثيابها من غير رؤيته لها فحينئذ يخرج التعليل عن الحكم باعتدادها عنده .



وقوله عليه السلام { فإذا حللت فآذنيني } ممدود الهمز ، أي أعلميني واستدل به على جواز التعريض بخطبة البائن ، وفيه خلاف عند الشافعية .

قوله عليه السلام " أما أبو جهم : فلا يضع عصاه عن عاتقه " فيه تأويلان :

أحدهما : أنه كثير الأسفار .

والثاني : أنه كثير الضرب ويترجح هذا الثاني بما جاء في بعض روايات مسلم { أنه ضراب للنساء } .



" وفي الحديث دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة . ولا يكون [ ص: 577 ] من الغيبة المحرمة وهذا أحد المواضع التي أبيحت فيها الغيبة لأجل المصلحة . و " العاتق " ما بين العنق والمنكب .

وفي الحديث : دليل على جواز استعمال مجاز المبالغة ، وجواز إطلاق مثل هذه العبارة ، فإن أبا جهم : لا بد وأن يضع عصاه حالة نومه وأكله ، وكذلك معاوية لا بد وأن يكون له ثوب يلبسه مثلا ، لكن اعتبر حال الغلبة ، وأهدر حال النادر واليسير . وهذا المجاز فيما قيل في أبي جهم : أظهر منه فيما قيل في معاوية ; لأن لنا أن نقول : إن لفظة " المال " انتقلت في العرف عن موضوعها الأصلي إلى ما له قدر من المملوكات ، أو ذلك مجاز شائع يتنزل منزلة النقل ، فلا يتناول الشيء اليسير جدا ، بخلاف ما قيل في أبي جهم . وقوله " انكحي أسامة بن زيد " فيه جواز نكاح القرشية للمولى . وكراهتها له : إما لكونه مولى ، أو لسواده ، و " اغتبطت " مفتوح التاء والباء وأبو جهم المذكور في الحديث : مفتوح الجيم ساكن الهاء ، وهو غير أبي الجهيم الذي في حديث التيمم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث