الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        فرع: أرباح هذا النوع من المكاسب:

        اختلف العلماء في أرباح المكاسب المحرمة الحاصلة من غير تراض على أقوال:

        [ ص: 256 ] القول الأول: أن هذه الأرباح التي حصلت بعمل من الكاسب يكون الكاسب فيها شريكا للمالك.

        وهو رواية عن أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن القيم.

        وحجته:

        (113 ) ما رواه الإمام مالك عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى هاهنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر قال: "أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما"؟ قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب: "ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما، أديا المال وربحه"، فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه؟ فقال عمر: أدياه، فسكت عبد الله، وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا؟ فقال عمر: قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال.

        [ ص: 257 ] القول الثاني: أنها لأصحاب هذه المكاسب، والكاسب ليس له شيء. وهو قول الشافعية، والحنابلة.

        القول الثالث: ما نتج من غير عمل الكاسب كنسل الحيوان ولبنه، فهو للمالك، وما كان من عمل الكاسب فهو للكاسب، لكن لا تطيب للكاسب الأرباح، إلا إذا رد رأس المال لصاحبه.

        وهو قول المالكية.

        القول الرابع: أنه يجب التصدق بها.

        وهو قول الحنفية، ورواية عن أحمد.

        الحال الثانية: المأخوذ بغير إذن الشارع ولكن برضا المالك، كالمال المكتسب بطريق الميسر والقمار، أو الربا، أو الغناء، ونحو ذلك من المكاسب المحرمة، فلا يخلو من فرعين:

        الفرع الأول: أن يكون في ذمم الناس لم يقبض بعد، فهذا ليس له إلا رأس ماله، وما زاد من محرم فليس له أخذه، وعليه ليس له هبته.

        والدليل على ذلك: قول الله تعالى: وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (114 ) ولما رواه مسلم من طريق جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا [ ص: 258 ] على جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله".

        الفرع الثاني: أن يكون هذا الكسب قد قبض أما بالنسبة للقابض لهذا المال إذا تاب وأناب:

        فإن كان هذا القابض يعتقد صحة هذا العقد الربوي، كالكافر الذي كان يتعامل بالربا قبل إسلامه، أو تحاكمه إلينا، وكالمسلم إذا عقد عقدا مختلفا فيه بين العلماء، وهو يرى صحة هذا النوع بالاجتهاد أو التقليد، أو المسلم الذي يعامل ولكنه يجهل ولا يعلم وقد قبض بهذه المعاملة مالا، فلما تبين له أن هذه المعاملة من الربا تاب منها.

        إذا كان الأمر - كما ذكر - فإنه يكون ملكا لما قبضه; لقوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون وعليه فله هبته.

        قال الشنقيطي رحمه الله: "قوله تعالى: فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف معنى هذه الآية الكريمة: أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى، أي: ترك المعاملة بالربا; خوفا من الله تعالى، وامتثالا لأمره فله ما سلف أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا، ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، فقد قال في الذين كانوا [ ص: 259 ] يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم:

        ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا .

        وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه، ونظيره قوله تعالى: وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف .

        وقال في الصيد قبل التحريم: عفا الله عما سلف .

        وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: وما كان الله ليضيع إيمانكم أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ.

        ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى: أن النبي والمسلمين لما استغفروا لأقربائهم الموتى من المشركين، وأنزل الله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك:

        وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه".

        أما إذا كان القابض مسلما متعمدا تلك المعاملة عالما بأنه محرم، ثم تاب بعدما تجمعت لديه الأموال المحرمة، فلأهل العلم قولان:

        [ ص: 260 ] القول الأول: أن قبض الكاسب هذه المكاسب المحرمة يفيد خروجه من ملك باذله، إذا كان بإذن منه.

        وهذا قول عند الحنفية، وهو رواية عند الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام.

        قال ابن تيمية: "أصحهما أن لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ، بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر".

        قال: "ومن ظن أنها ترد على الباذل المستأجر; لأنها مقبوضة بعقد فاسد فيجب ردها عليه كالمقبوض بالربا أو نحوه من العقود الفاسدة، فيقال له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه، كما في تقابض الربا عند من يقول: المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك، كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد، فأما إذا تلف المقبوض عند القابض، فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقا، وحينئذ فيقال: إن كان ظاهر القياس يوجب ردها بناء على أنها مقبوضة بعقد فاسد، فالزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا العوض المحرم والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق الله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال".

        [ ص: 261 ] القول الثاني: أن قبض الكاسب هذه المكاسب المحرمة لا يفيد الملك مطلقا، سواء أكان بإذن من المالك أم لا.

        وهذا قول عند الحنفية، وهو مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية.

        والذي يظهر: أن هذه المكاسب المحرمة تخرج عن ملك من بذلها راضيا إذا كان عالما بالتحريم أو الفساد; لأنه سلط الكاسب عليه بإذنه ورضاه، فلا يمكن أن يسوى بينه وبين من أخذ ماله من غير رضاه وإذنه.

        قال ابن القيم: "المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين، فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه كما في عقود الربا، وهذا عند من يقول المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك، فأما إذا تلف المعوض عند القابض وتعذر رده، فلا يقضى له بالعوض الذي بذله، ويجمع له بين العوض والمعوض، فإن الزاني واللائط ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا عوضه المحرم، وليس التحريم الذي فيه لحقهم، وإنما هو لحق الله، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال الذي بذله في استيفائها.

        وأيضا: فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أخذ منفعته وعوضها جميعا، بخلاف ما لو كان العوض خنزيرا أو ميتة، فإن ذلك لا ضرر عليه في [ ص: 262 ] فواته، فإنه لو كان باقيا أتلفناه عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه بحيث يتمكن من صرفها في أمر آخر، أعني القوة التي عمل بها".

        واختلف العلماء - رحمهم الله - في طريق التوبة من المكاسب الحرمة الحاصلة بعقود فاسدة، وقد استوفى الطرفان العوض والمعوض على قولين:

        القول الأول: أنه يجب على الكاسب التصدق به.

        وبه قال شيخ الإسلام.

        وحجته:

        1 - أنه لا يجمع لمن استوفى المنفعة المحرمة بين العوض، والمعوض.

        ونوقش: بأن هذه المكاسب المحرمة على ملك أصحابها; لأنها انتقلت بعقد فاسد.

        وأجيب:

        قال ابن القيم: "وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ، فملك صاحبه قد زال عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلم له ما في قبالته من النفع، فكيف يقال ملكه باق عليه؟ ويجب رده إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصدقة به، فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضى صاحبه، وبذله له بذلك، وصاحبه قد رضي بإخراجه عن ملكه بذلك، وأن لا يعود إليه، فكان أحق الوجوه به صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه، ويخفف عنه الإثم، ولا يقوى الفاجر به ويعان، ويجمع له بين الأمرين.

        وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام، وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدر الحرام، ويطيب باقي ماله، والله أعلم".

        [ ص: 263 ] وقال: "وإن كان المقبوض برضى الدافع، وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر، أو خنزير، أو على زنى، أو فاحشة، فهذا لا يجب رد العوض على الدافع; لأنه أخرجه باختياره، واستوفى عوضه المحرم، فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض، فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان، وتيسير أصحاب المعاصي عليه، وماذا يريد الزاني وفاعل الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله، فهذا مما تصان الشريعة عن الإتيان به ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر، ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها، ثم يرجع فيما أعطاها قهرا، وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء، فلا تأتي به شريعة، ولكن لا يطيب للقابض أكله، بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن خبثه لخبث مكسبه لا لظلم من أخذ منه، فطريق التخلص منه، وتمام التوبة بالصدقة به".

        2 - أن هذه المكاسب حصلت بسبب خبيث، وهو التصرف في ملك الغير بدون إذنه، وما هذا حاله فسبيله التصدق به.

        (115 ) 3 - ما رواه مسلم من طريق السائب بن يزيد، حدثني رافع بن خديج رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث".

        فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بخبث كسب الحجام، ولا يجب رده على دافعه.

        القول الثاني: يجب أن يرد إلى مالكه.

        وحجته: أنه عين ماله، ولم يقبضه الكاسب قبضا شرعيا، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح.

        ونوقش: بما تقدم من كلام ابن القيم.

        [ ص: 264 ] الترجيح:

        الراجح - والله أعلم - أنه يتصدق به; لقوة دليله.

        فإن كان الكاسب فقيرا جاز أن يأخذ قدر حاجته من هذا المال.

        قال النووي: "وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا; لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه، وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته; لأنه أيضا فقير ".

        وقال شيخ الإسلام: "فإن تابت هذه البغي وهذا الخمار وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به، ولم يردوا عوض القرض كان أحسن".

        فإن لم يتب من كسبه محرما، فلا يخلو من فرعين:

        الفرع الأول: أن يكون جميع مال الواهب محرما فلا تصح هبته; لما تقدم من أنه يشترط أن تكون الهبة مالا شرعيا.

        الفرع الثاني: أن يكون ماله مختلطا من الحلال والحرام، فتصح هبته، وقد نص الفقهاء على جواز الأكل من مال من ماله مختلط، ويدل لهذا:

        (116 ) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن يهودية أتت النبي بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟، قال: لا، فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم."

        [ ص: 265 ]

        التالي السابق


        الخدمات العلمية