الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                وقد ذكر الإمام أحمد في رده على الجهمية مما عابه عليهم أنهم يقولون إن الله لا يتكلم ولا يتحرك . وأما عبد الله بن المبارك فكان مبتلى بهؤلاء في بلاده ومذهبه في مخالفتهم كثير وكذلك الماجشون في الرد عليهم وكلام السلف في الرد على هؤلاء كثير وقال لهم الناس : إن هذا الأصل الذي ادعيتم إثبات الصانع به وأنه لا يعرف أنه خالق للمخلوقات إلا به هو بعكس ما قلتم بل هذا الأصل يناقض كون الرب خالقا للعالم ولا يمكن مع القول به القول بحدوث العالم ; ولا الرد على الفلاسفة . فالمتكلمون الذين ابتدعوه وزعموا أنهم به نصروا الإسلام وردوا به على أعدائه كالفلاسفة ; لا للإسلام نصروا ولا لعدوه كسروا بل كان ما ابتدعوه مما أفسدوا به حقيقة الإسلام على من اتبعهم فأفسدوا عقله ودينه واعتدوا به على من نازعهم من المسلمين وفتحوا لعدو الإسلام بابا إلى مقصوده . فإن حقيقة قولهم - إن الرب لم يكن قادرا ولا كان الكلام والفعل ممكنا له ولم يزل كذلك دائما مدة أو تقدير مدة لا نهاية لها ثم إنه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك وجعلوا مفعوله هو فعله وجعلوا فعله وإرادة فعله قديمة أزلية والمفعول متأخرا وجعلوا القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح - وكل هذا خلاف المعقول الصريح وخلاف الكتاب والسنة وأنكروا صفاته ورؤيته وقالوا كلامه مخلوق ; وهو خلاف دين الإسلام . والذين اتبعوهم وأثبتوا الصفات قالوا يريد جميع المرادات بإرادة واحدة وكل كلام تكلم به أو يتكلم به إنما هو شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض وإذا رئي رئي لا بمواجهة ولا بمعاينة وإنه لم يسمع ولم ير الأشياء حتى وجدت ; ثم لما وجدت لم يقم به أمر موجود ; بل حاله قبل أن يسمع ويبصر كحاله بعد ذلك ; إلى أمثال هذه الأقوال التي تخالف المعقول الصريح والمنقول الصحيح .

                ثم لما رأت " الفلاسفة " أن هذا مبلغ علم هؤلاء وأن هذا هو الإسلام الذي عليه هؤلاء وعلموا فساد هذا أظهروا قولهم بقدم العالم واحتجوا بأن تجدد الفعل بعد أن لم يكن ممتنع ; بل لا بد لكل متجدد من سبب حادث وليس هناك سبب ; فيكون الفعل دائما ثم ادعوا دعوى كاذبة لم يحسن أولئك أن يبينوا فسادها وهو : أنه إذا كان دائما ; لزم قدم الأفلاك والعناصر . ثم إنهم لما أرادوا تقرير " النبوة " جعلوها فيضا يفيض على نفس النبي من العقل الفعال أو غيره ; من غير أن يكون رب العالمين يعلم له رسولا معينا ولا يميز بين موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين ولا يعلم الجزئيات ولا نزل من عنده ملك بل جبريل هو خيال يتخيل في نفس النبي أو هو العقل الفعال وأنكروا : أن تكون السموات والأرض خلقت في ستة أيام وأن السموات تنشق وتنفطر وغير ذلك مما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم . وزعموا أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أراد به خطاب الجمهور مما يخيل إليهم بما ينتفعون به من غير أن يكون الأمر في نفسه كذلك ومن غير أن تكون الرسل بينت الحقائق وعلمت الناس ما الأمر عليه . ثم منهم من يفضل الفيلسوف على النبي صلى الله عليه وسلم .

                و " حقيقة قولهم " أن الأنبياء كذبوا لما ادعوه من نفع الناس وهل كانوا جهالا على قولين لهم . إلى غير ذلك من أنواع الإلحاد والكفر الصريح والكذب البين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . وقد بين في غير هذا الموضع : أن هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل وإن تظاهروا بالإسلام ; فإنهم يظهرون من مخالفة الإسلام أعظم مما كان يظهره المنافقون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه المنافقون اليوم شر من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قيل : ولم ذلك ؟ قال : لأنهم كانوا يسرون نفاقهم وهم اليوم يعلنونه . ولم يكن على عهد حذيفة من وصل إلى هذا النفاق ولا إلى قريب منه ; فإن هؤلاء إنما ظهروا في الإسلام في أثناء " الدولة العباسية " وآخر " الدولة الأموية " لما عربت الكتب اليونانية ونحوها وقد بسط الرد عليهم في غير هذا الموضع . والمقصود هنا : أن هؤلاء المتكلمين الذين زعموا أنهم ردوا عليهم لم يكن الأمر كما قالوه بل هم فتحوا لهم دهليز الزندقة ولهذا يوجد كثير ممن دخل في هؤلاء الملاحدة إنما دخل من باب أولئك المتكلمين : كابن عربي وابن سبعين وغيرهما .

                وإذا قام من يرد على هؤلاء الملاحدة فإنهم يستنصرون ويستعينون بأولئك المتكلمين المبتدعين ويعينهم أولئك على من ينصر الله ورسوله ; فهم جندهم على محاربة الله ورسوله كما قد وجد ذلك عيانا . ودعواهم أن هذه طريقة إبراهيم الخليل في قوله : { لا أحب الآفلين } كذب ظاهر على إبراهيم ; فإن الأفول هو التغيب والاحتجاب باتفاق أهل اللغة والتفسير وهو من الأمور الظاهرة في اللغة وسواء أريد بالأفول ذهاب ضوء القمر والكواكب بطلوع الشمس أو أريد به سقوطه من جانب المغرب ; فإنه إذا طلعت الشمس يقال : إنها غابت الكواكب واحتجبت وإن كانت موجودة في السماء ولكن طمس ضوء الشمس نورها .

                وهذا مما ينحل به الإشكال الوارد على الآية في طلوع الشمس بعد أفول القمر وإبراهيم عليه السلام لم يقل : { لا أحب الآفلين } لما رأى الكوكب يتحرك ; والقمر والشمس بل إنما قال ذلك حين غاب واحتجب . فإن كان إبراهيم قصد بقوله الاحتجاج بالأفول على نفي كون الآفل رب العالمين - كما ادعوه - كانت قصة إبراهيم حجة عليهم ; فإنه لم يجعل بزوغه وحركته في السماء إلى حين المغيب دليلا على نفي ذلك ; بل إنما جعل الدليل مغيبه . فإن كان ما ادعوه من مقصوده من الاستدلال صحيحا فإنه حجة على نقيض مطلوبهم وعلى بطلان كون الحركة دليل الحدوث . لكن الحق أن إبراهيم لم يقصد هذا ولا كان قوله : { هذا ربي } أنه رب العالمين ولا اعتقد أحد من بني آدم أن كوكبا من الكواكب خلق السموات والأرض وكذلك الشمس والقمر ولا كان المشركون قوم إبراهيم يعتقدون ذلك ; بل كانوا مشركين بالله يعبدون الكواكب ويدعونها ويبنون لها الهياكل ويعبدون فيها أصنامهم وهو دين الكلدانيين والكشدانيين والصابئين المشركين ; لا الصابئين الحنفاء وهم الذين صنف صاحب " السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم " كتابه على دينهم .

                وهذا دين كان كثير من أهل الأرض عليه بالشام والجزيرة والعراق وغير ذلك وكانوا قبل ظهور دين المسيح عليه السلام وكان جامع دمشق وجامع حران وغيرهما موضع بعض هياكلهم : هذا هيكل المشتري وهذا هيكل الزهرة . وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي ; وبدمشق محاريب قديمة إلى الشمال . والفلاسفة اليونانيون كانوا من جنس هؤلاء المشركين يعبدون الكواكب والأصنام ويصنعون السحر وكذلك أهل مصر وغيرهم . وجمهور المشركين كانوا مقرين برب العالمين والمنكر له قليل مثل فرعون ونحوه . وقوم إبراهيم كانوا مقرين بالصانع ولهذا قال لهم إبراهيم الخليل : { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } { أنتم وآباؤكم الأقدمون } { فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } فعادى كل ما يعبدونه إلا رب العالمين وقال تعالى : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء } وقال الخليل عليه السلام { أتعبدون ما تنحتون } { والله خلقكم وما تعملون } وقال تعالى في سورة الأنعام ; { فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون } { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون } { وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } قال الله تعالى : { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم } .

                ولما فسر هؤلاء " الأفول " بالحركة وفتحوا باب تحريف الكلم عن مواضعه دخلت الملاحدة من هذا الباب ففسر ابن سينا وأمثاله من الملاحدة الأفول بالإمكان الذي ادعوه حيث قالوا : إن الأفلاك قديمة أزلية وهي مع ذلك ممكنة وكذلك ما فيها من الكواكب والنيرين . قالوا : فقول إبراهيم { لا أحب الآفلين } أي لا أحب الممكن المعلول وإن كان قديما أزليا . وأين في لفظ الأفول ما يدل على هذا المعنى ؟ ولكن هذا شأن المحرفين للكلم عن مواضعه .

                وجاء بعدهم من جنس من زاد في التحريف فقال : المراد " بالكواكب والشمس والقمر " هو النفس والعقل الفعال والعقل الأول وقد ذكر ذلك أبو حامد الغزالي في بعض كتبه وحكاه عن غيره في بعضها . وقال هؤلاء الكواكب والشمس والقمر لا يخفى على عاقل أنها ليست رب العالمين بخلاف النفس والعقل .

                ودلالة لفظ الكوكب والشمس والقمر على هذه المعاني لو كانت موجودة من عجائب تحريفات الملاحدة الباطنية كما يتأولون العلميات مع العمليات ويقولون : الصلوات الخمس معرفة أسرارنا وصيام رمضان كتمان أسرارنا والحج هو الزيارة لشيوخنا المقدسين . وفتح لهم هذا الباب " الجهمية والرافضة " حيث صار بعضهم يقول : الإمام المبين علي بن أبي طالب والشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية والبقرة المأمور بذبحها عائشة واللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين .

                وقد شاركهم في نحو هذه التحريفات طائفة من الصوفية وبعض المفسرين كالذين يقولون : { والتين والزيتون } { وطور سينين } { وهذا البلد الأمين } أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وكذلك قوله : { كزرع أخرج شطأه } أبو بكر { فآزره } عمر { فاستغلظ } هو عثمان { فاستوى على سوقه } هو علي . وقول بعض الصوفية : { اذهب إلى فرعون إنه طغى } هو القلب { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } هي النفس . وأمثال هذه التحريفات .

                لكن منها ما يكون معناه صحيحا وإن لم يكن هو المراد باللفظ وهو الأكثر في إشارات الصوفية .

                وبعض ذلك لا يجعل تفسيرا ; بل يجعل من باب الاعتبار والقياس وهذه طريقة صحيحة علمية كما في قوله تعالى { لا يمسه إلا المطهرون } وقول النبي صلى الله عليه وسلم { لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب } . فإذا كان ورقه { لا يمسه إلا المطهرون } فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة وإذا كان الملك لا يدخل بيتا فيه كلب فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبا فيه أخلاق الكلاب المذمومة ولا تنزل الملائكة على هؤلاء وهذا لبسطه موضع آخر .

                والمقصود أن أولئك المبتدعة من أهل الكلام لما فتحوا " باب القياس الفاسد في العقليات والتأويل الفاسد في السمعيات " ; صار ذلك دهليزا للزنادقة الملحدين إلى ما هو أعظم من ذلك من السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات وصار كل من زاد في ذلك شيئا دعاه إلى ما هو شر منه ; حتى انتهى الأمر بالقرامطة إلى إبطال الشرائع المعلومة كلها كما قال لهم رئيسهم بالشام : قد أسقطنا عنكم العبادات فلا صوم ولا صلاة ولا حج ولا زكاة . ولهذا قال من قال من السلف : البدع بريد الكفر والمعاصي بريد النفاق .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية