الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما .

لم يظهر وجه اتصاله بما قبله ليعطف عليه ، لأن ما ذكر هنا ليس أولى بالحكم من المذكور قبله ، أي ليس أولى بالامتثال حتى يقال : لو أنا كلفناهم بالرضا بما هو دون قطع الحقوق لما رضوا ، بل المفروض هنا أشد على النفوس مما عصوا فيه . فقال جماعة من المفسرين : وجه اتصالها أن المنافق لما لم يرض بحكم النبيء - صلى الله عليه وسلم - وأراد التحاكم إلى الطاغوت .

وقالت اليهود : ما أسخف هؤلاء يؤمنون بمحمد ثم لا [ ص: 114 ] يرضون بحكمه ، ونحن قد أمرنا نبيئنا بقتل أنفسنا ففعلنا وبلغت القتلى منا سبعين ألفا; فقال ثابت بن قيس بن شماس : لو كتب ذلك علينا لفعلنا ، فنزلت هذه الآية تصديقا لثابت بن قيس . ولا يخفى بعده عن السياق لأنه لو كان كذلك لما قيل ما فعلوه إلا قليل منهم بل قيل : لفعله فريق منهم .

وقال الفخر : هي توبيخ للمنافقين ، أي لو شددنا عليهم التكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم ، ولكنا رحمناهم بتكليفهم اليسر فليتركوا العناد . وهي على هذا الوجه تصلح لأن تكون تحريضا للمؤمنين على امتثال الرسول وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه ، فإنه لم يكلفهم إلا اليسر ، كل هذا محمول على أن المراد بقتل النفوس أن يقتل أحد نفسه بنفسه .

وعندي أن ذكر ذلك هنا من براعة المقطع تهيئة لانتقال الكلام إلى التحريض على الجهاد الآتي في قوله يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم وأن المراد بـ اقتلوا أنفسكم : ليقتل بعضكم بعضا فإن المؤمنين يقاتلون قومهم وأقاربهم من المشركين في الجهاد المأمور به بدليل قوله ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به الآية .

والمراد بالخروج من الديار الهجرة ، أي كتبنا عليهم هجرة من المدينة ، وفي هذا تنويه بالمهاجرين والمجاهدين .

وقرأ الجمهور إلا قليل بالرفع على البدل من الواو في ما فعلوه على الاستثناء . وقرأه ابن عامر بالنصب على أحد وجهي الاستثناء من الكلام المنفي .

ومعنى ما يوعظون به علم من قوله فأعرض عنهم وعظهم ، أي ما يؤمرون به أمر تحذير وترقيق ، أي مضمون ما يوعظون لأن الوعظ هو الكلام والأمر ، والمفعول هو المأمور به ، أي لو فعلوا كل ما يبلغهم الرسول ، ومن ذلك الجهاد والهجرة . وكونه خيرا : أن فيه خير الدنيا لأن الله يعلم وهم لا يعلمون .

ومعنى كونه أشد تثبيتا يحتمل أنه التثبيت على الإيمان وبذلك فسروه ، ويحتمل عندي أنه أشد تثبيتا لهم ، أي لبقائهم بين أعدائهم ولعزتهم وحياتهم الحقيقية فإنهم إنما يكرهون القتال استبقاء لأنفسهم ، ويكرهون المهاجرة حبا لأوطانهم ، فعلمهم الله أن الجهاد والتغرب فيه أو في غيره أشد تثبيتا لهم ، لأنه يذود عنهم أعداءهم ، كما قال الحصين بن الحمام :


تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما

[ ص: 115 ]

ومما دل على أن المراد بالخير خير الدنيا ، وبالتثبيت التثبيت فيها ، قوله عاطفا عليه وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما .

وجملة وإذا لآتيناهم من لدنا معطوفة على جواب " لو " ، والتقدير : لكان خيرا وأشد تثبيتا ولآتيناهم إلخ ، ووجود اللام التي تقع في جواب " لو " مؤذن بذلك . وأما واو العطف فلوصل الجملة المعطوفة بالجملة المعطوف عليها . وأما " إذن " فهي حرف جواب وجزاء ، أي في معنى جواب لكلام سبقها ولا تختص بالسؤال ، فأدخلت في جواب " لو " بعطفها على الجواب تأكيدا لمعنى الجزاء ، فقد أجيبت " لو " في الآية بجوابين في المعنى لأن المعطوف على الجواب جواب ، ولا يحسن اجتماع جوابين إلا بوجود حرف عطف ، وقريب مما في هذه الآية قول العنبري في الحماسة :


لو كنت من مازن لم تستبح إبلي     بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصري معشر خشن     عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا

.

قال المرزوقي : يجوز أن يكون " إذن لقام " جواب : " لو كنت من مازن " في البيت السابق كأنه أجيب بجوابين ، وجعل الزمخشري قوله وإذا لآتيناهم جواب سؤال مقدر ، كأنه : قيل وماذا يكون لهم بعد التثبيت ، فقيل : وإذن لآتيناهم .

قال التفتزاني : على أن الواو للاستئناف ، أي لأن العطف ينافي تقدير سؤال . والحق أن ما صار إليه في الكشاف تكلف لا داعي إليه إلا التزام كون " إذن " حرفا لجواب سائل ، والوجه أن الجواب هو ما يتلقى به كلام آخر سواء كان سؤالا أو شرطا أو غيرهما .

وقوله ولهديناهم صراطا مستقيما أي لفتحنا لهم طرق العلم والهداية ، لأن تصديهم لامتثال ما أمروا به هو مبدأ تخلية النفوس عن التعلق بأوهامها وعوائدها الحاجبة لها عن درك الحقائق ، فإذا ابتدءوا يرفضون هذه المواقع فقد استعدوا لتلقي الحكمة والكمالات النفسانية ففاضت عليهم المعارف تترى بدلالة بعضها على بعض وبتيسير الله صعبها بأنوار الهداية والتوفيق ، ولا شك أن الطاعة مفتاح المعارف بعد تعاطي أسبابها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث