الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 185 ] باب بيان أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لا نورث "

قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة يبلغ به ، وقال مرة قال : قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يقتسم ورثتي دينارا ولا درهما ، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من طرق ، عن مالك بن أنس ، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقتسم ورثتي دينارا ، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " لفظ البخاري .

ثم قال البخاري : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن ، فقالت عائشة : أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا نورث ، ما تركنا صدقة ؟ " وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى ، وأبو داود عن القعنبي ، والنسائي عن قتيبة ، [ ص: 186 ] كلهم عن مالك به . فهذه إحدى النساء الوارثات - إن لو قدر ميراث - قد اعترفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ما تركه صدقة لا ميراثا ، والظاهر أن بقية أمهات المؤمنين وافقنها على ما روت ، وتذكرن ما قالت لهن من ذلك ، فإن عبارتها تؤذن بأن هذا أمر مقرر عندهن . والله أعلم .

وقال البخاري : حدثنا إسماعيل بن أبان ، أخبرنا عبد الله بن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " .

وقال البخاري : باب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " حدثنا عبد الله بن محمد ، ثنا هشام ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر ، رضي الله عنه ، يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر . فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا نورث ، ما تركنا صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال " قال أبو بكر : والله لا أدع أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيه إلا صنعته . قال : فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت . وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر .

[ ص: 187 ] ثم رواه أحمد ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن صالح بن كيسان ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثها مما ترك مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " فغضبت فاطمة ، وهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت . قال : وعاشت فاطمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر . وذكر تمام الحديث . هكذا قال الإمام أحمد .

وقد روى البخاري هذا الحديث في كتاب المغازي من " صحيحه " عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة كما تقدم ، وزاد : فلما توفيت دفنها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة . فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن بايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر : ائتنا ولا يأتنا معك أحد . وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر ، فقال عمر ، والله لا تدخل عليهم وحدك . قال أبو بكر : وما عسى أن يصنعوا بي ؟ والله لآتينهم . فانطلق أبو بكر ، رضي الله عنه ، فتشهد علي وقال : إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ، ولم ننفس عليك [ ص: 188 ] خيرا ساقه الله إليك ، ولكنكم استبددتم بالأمر ، وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لنا في هذا الأمر نصيبا . فلم يزل علي يذكر حتى بكى أبو بكر رضي الله عنه ، وقال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني وبينكم في هذه الأموال فإني لم آل فيها عن الخير ، ولم أترك أمرا صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته . فقال علي : موعدك للبيعة عشية . فلما صلى أبو بكر ، رضي الله عنه ، الظهر رقي على المنبر فتشهد ، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة ، وعذره بالذي اعتذر به ، وتشهد علي ، رضي الله عنه ، فعظم حق أبي بكر ، وذكر فضيلته وسابقته ، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ، ثم قام إلى أبي بكر ، رضي الله عنهما ، فبايعه فأقبل الناس على علي فقالوا : أحسنت . وكان الناس إلى علي قريبا حين راجع الأمر بالمعروف . وقد رواه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود ، والنسائي من طرق متعددة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة بنحوه .

فهذه البيعة التي وقعت من علي ، رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه ، بعد وفاة فاطمة ، رضي الله عنها ، بيعة مؤكدة للصلح الذي وقع بينهما ، وهي ثانية للبيعة التي ذكرناها أولا يوم السقيفة ، كما رواه ابن خزيمة وصححه مسلم بن الحجاج ، ولم يكن علي مجانبا لأبي بكر هذه الستة الأشهر ، بل [ ص: 189 ] كان يصلي وراءه ويحضر عنده للمشورة ، وركب معه إلى ذي القصة ، كما سيأتي .

وفي " صحيح البخاري " أن أبا بكر ، رضي الله عنه صلى العصر بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بليال ، ثم خرج من المسجد فوجد الحسن بن علي يلعب مع الغلمان ، فاحتمله على كاهله ، وجعل يقول : بأبي شبيه النبي ، ليس شبيها بعلي ، وعلي يضحك . ولكن لما وقعت هذه البيعة الثانية اعتقد بعض الرواة أن عليا لم يبايع قبلها ، فنفى ذلك ، والمثبت مقدم على النافي ، كما تقدم وكما تقرر . والله أعلم . وأما تغضب فاطمة - رضي الله عنها وأرضاها - على أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه ، فما أدري ما وجهه ، فإن كان لمنعه إياها ما سألته من الميراث ، فقد اعتذر إليها بعذر يجب قبوله ، وهو ما رواه عن أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا نورث ، ما تركنا صدقة " وهي ممن تنقاد لنص الشارع الذي خفي عليها قبل سؤالها الميراث ، كما خفي على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخبرتهن عائشة بذلك ، ووافقنها عليه ، وليس يظن بفاطمة ، رضي الله عنها ، أنها اتهمت الصديق رضي الله عنه ، فيما أخبرها به حاشاها وحاشاه من ذلك ، كيف وقد وافقه على رواية هذا الحديث عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، والعباس بن عبد المطلب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو هريرة ، وعائشة ؟ ! رضي الله عنهم أجمعين ، كما سنبينه قريبا ، ولو تفرد بروايته [ ص: 190 ] الصديق ، رضي الله عنه ، لوجب على جميع أهل الأرض قبول روايته ، والانقياد له في ذلك ، وإن كان غضبها لأجل ما سألت الصديق - إذ كانت هذه الأراضي صدقة لا ميراثا - أن يكون زوجها ينظر فيها ، فقد اعتذر بما حاصله أنه لما كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو يرى أن فرضا عليه أن يعمل بما كان يعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويلي ما كان يليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولهذا قال : وإني والله لا أدع أمرا كان يصنعه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صنعته . قال : فهجرته فاطمة ، فلم تكلمه حتى ماتت . وهذا الهجران والحالة هذه فتح على فرقة الرافضة شرا عريضا ، وجهلا طويلا ، وأدخلوا أنفسهم بسببه فيما لا يعنيهم ، ولو تفهموا الأمور على ما هي عليه لعرفوا للصديق فضله ، وقبلوا منه عذره الذي يجب على كل أحد قبوله ، ولكنهم طائفة مخذولة ، وفرقة مرذولة ، يتمسكون بالمتشابه ، ويتركون الأمور المحكمة المقررة عند أئمة الإسلام ، من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من العلماء المعتبرين في سائر الأعصار والأمصار ، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث