الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ، أي : إن هؤلاء المنافقين الذين ترجون نصرهم لكم وتطمعون في هدايتهم ليسوا من الكفار القانعين بكفرهم ، الغافلين عن غيرهم ، بل هم يودون لو تكفرون ككفرهم وتكونون مثلهم سواء ، ويقضى على الإسلام الذي أنتم عليه ويزول من الأرض فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ، أي : فلا تتخذوا منهم أنصارا لينصروكم على المشركين حتى يهاجروا ويتحدوا بكم ; لأن المؤمن الصادق لا يدع النبي ومن معه من المؤمنين عرضة للخطر ولا يهاجر إليهم لينصرهم إلا للعجز ، فترك الهجرة مع القدرة عليها دليل على نفاق أولئك المختلف فيهم ، والأستاذ الإمام يقدر هنا حتى يؤمنوا ويهاجروا ، وكانت الهجرة لازمة للإيمان لزوما بينا مطردا ; فلذلك استغنى بذكرها عن ذكره إيجازا ، ومن جعل الآيات في المنافقين في الدين من أهل المدينة وما حولها جعل المهاجرة هنا من باب حديث : والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه وهو بعيد جدا ، ومعنى الحديث أن المهاجر الكامل من كان كذلك ، ويرد ما قالوه كما سبق التنبيه إليه قوله - تعالى - : فإن تولوا ، أي : أعرضوا عن الإيمان والهجرة فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ، ولا يجوز بحال أن يكون المراد أن الذين لا يهجرون ما نهى الله عنه يقتلون حيث وجدوا ، وما سمعنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل أحدا من المنافقين في الإيمان بذنبه ، بل كان يهم الرجل من أصحابه بقتل المنافق فيمنعه وإن ظهر المقتضى لئلا يقال : إن محمدا يقتل أصحابه ، ولا يظهر هذا التعليل في أولئك المنافقين الذين كانوا بمكة ينصرون المشركين وأما المنافقون في الولاء فالأمر بقتالهم أظهر ، فقد كانوا يعاهدون فيفي لهم المسلمون وهم يغدرون ، ويستقيم المسلمون على عهدهم وهم ينكثون ، ولم يأمرهم الله - تعالى - بمعاملتهم بما يستحقون إلا بعد تكرار ذلك منهم ; لأنه تعالى جعل الوفاء من صفات المؤمنين بمثل قوله : [ ص: 265 ] الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ( 13 : 20 ) ، وأكد حفظ ميثاقهم ، حتى إنه حرم نصر المؤمنين غير الذين مع رسوله عليهم بقوله : والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق ( 8 : 72 ) ، وقد بين أحكامهم وأحكام أمثالهم مفصلة هنا وفي أول سورة التوبة ، وهي صريحة في علة الأمر بقتالهم ، وهي غدرهم وتصديهم لقتال المسلمين ، وقد جعل هذه العلة من قبيل الضرورة تقدر بقدرها ; ولذلك عقب نهيه عن اتخاذ ولي أو نصير منهم بقوله : إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق إلخ ، ذهب أبو مسلم إلى أن هذا استثناء من المؤمنين الذين لم يهاجروا ، قال - كما نقل عنه - الرازي : لما أوجب الله الهجرة على كل من أسلم استثنى من له عذر فقال : إلا الذين يصلون ، وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة إلا أنه كان في طريقهم من الكفار من يخافونه ، فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق وأقاموا عندهم ينتهزون الفرصة لإمكان الهجرة واستثنى أيضا من صاروا إلى الرسول والمؤمنين ، ولكن لا يقاتلون المسلمين ولا يقاتلون الكفار معهم ; لأنهم أقاربهم أو لأنهم تركوا فيهم أولادهم وأزواجهم ; فيخافون أن يفتكوا بهم إذا هم قاتلوا مع المسلمين ، وقد أبعد أبو مسلم في هذا إذ لا يظهر معنى لنفي قتال المسلمين للنبي ومن معه ، ولا لامتنان الله - تعالى - عليهم بأنه لم يسلطهم عليهم .

                          وذهب الجمهور إلى أن الذين استثناهم الله - تعالى - هم من الكفار ، وكانوا كلهم حربا للمؤمنين يقتلون كل مسلم ظفروا به إذا لم يمنعه أحد ، فشرع الله للمؤمنين معاملتهم بمثل ذلك ، وأن يقاتلوهم حيث وجدوهم إلا من استثني ، وهذا يؤيد رأي الأستاذ في نفاقهم .

                          ونقول : إن الكلام في المنافقين الذين في دار الشرك لا في دار الهجرة سواء كان نفاقهم بدعوى الإسلام أو بالولاء والعهد ، وقد أركسهم الله وأظهر نفاقهم وشدة حرصهم على ارتداد المسلمين كفارا مثلهم ، وأذن بقتلهم أينما وجدوا ; لأنهم يغدرون بالمسلمين فيوهمونهم أنهم معهم ، ويقتلونهم إذا ظفروا بهم ، واستثنى منهم من تؤمن غائلتهم بأحد الأمرين : أحدهما : أن يصلوا وينتهوا إلى قوم معاهدين للمسلمين فيدخلوا في عهدهم ويرضوا بحكمهم ، فيمتنع قتالهم مثلهم ، وثانيهما : أن يجيئوا المسلمين مسالمين لا يقاتلونهم ولا يقاتلون قومهم معهم ، بل يكونون على الحياد ، وهذا هو قوله - تعالى - : أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ، أي : جاءوكم قد ضاقت صدورهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فلا تنشرح لأحد الأمرين ، ولا يظهر هذا ظهورا بينا لا تكلف فيه إلا على قول الأستاذ الإمام : إن نفاقهم كان بالولاء ، فهم لا يقاتلون المسلمين حفظا للعهد ، ولا يقاتلون قومهم لأنهم قومهم ، وقبول عذر الفريقين موافق للأصل الذي تقدم في سورة [ ص: 266 ] البقرة : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ( 2 : 190 ) ، فيا لله ما أعدل القرآن وما أكرم أصول الإسلام .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية