الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          [ ص: 284 ] أما قوله - تعالى - : كذلك كنتم من قبل ففيه وجهان :

                          أحدهما : أنكم كنتم كذلك تستخفون بدينكم كما استخفى بدينه من قومه هذا الذي ألقى إليكم السلام فقتلتموه إلى أن لحق بكم ، أي : فإنه ما بقي يخفي الإسلام بينهم إلا خوفا على نفسه منهم ، وكذلك كان السابقون الأولون وهم خيار المؤمنين يخفون إسلامهم حتى أسلم عمر فأظهر إسلامه وحملهم على إظهار إسلامهم ، ثم كان من بعدهم إذا أسلم يخفي إسلامه حتى يتيسر له الهجرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن الله عليكم ، بالهجرة والقوة حتى أظهرتم الإسلام ونصرتموه .

                          والوجه الثاني : أنكم كذلك كنتم كفارا مثل من قتلتم بتهمة الكفر فمن الله عليكم بالهداية إلى الإسلام ، فمنكم من أسلم لظهور حقية الإسلام له من أول وهلة ، ومنكم من أسلم تقية أو لسبب آخر ثم حسن إسلامه عندما خبر الإسلام وعرف محاسنه .

                          وقيل : معنى " من الله عليكم " : أنه تفضل عليكم بالتوبة من قتل من قتلتموه بهذه التهمة التي كنتم مثله فيها فتبينوا ، أي : اطلبوا البيان أو كونوا على بينة من الأمر تقدمون عليه ولا تأخذوا بالظن ولا بالظنة ( التهمة ) ، أو تثبتوا ولا تعجلوا بعد في مثل هذا إن الله كان بما تعملون خبيرا ، لا يخفى عليه شيء من نيتكم فيه ، ومن المرجح له هل هو محض الدفاع عن الحق أم ابتغاء الغنيمة ؟ قال الأستاذ الإمام : هذا تأكيد لذلك التنبيه في قوله : تبتغون عرض الحياة الدنيا ، لأجل التحذير من الوقوع في مثل هذا الخطأ فهو شبيه بالوعيد ، ويحتمل أن يكون وعيدا إذا قلنا إن قوله - تعالى - : تبتغون عرض الحياة الدنيا ، حكم جديد بأن قتل من ألقى السلام يعد من قتل المؤمن عمدا والمعنى أن الله - تعالى - خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شيء من مرجحات الحمل عليها في نفوسكم فإن كان فيه ابتغاء حظ الحياة الدنيا فهو يجازيكم على ذلك فلا تغفلوا ، بل تثبتوا وتبينوا ، وحكم الآية يعمل به بصرف النظر عن سبب نزولها ، وهو أن كل من أظهر الإسلام يقبل منه ويعد مسلما ولا يبحث عن الباعث له على ذلك ، ولا يتهم في صدقه وإخلاصه .

                          أقول : فأين هذا من حرص من لم يهتدوا بكتاب الله في إسلامهم ولا في عملهم بأحكامه على تكفير من يخالف أهواءهم من أهل القبلة ، بل من أهل العلم الصحيح والدعوة إلى كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فليعتبر المعتبرون .

                          [ ص: 285 ] أقول هذا وإن الجاهلين بتاريخ الإسلام وأحوال الأمم والدول إلى هذا الزمان يظنون أن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا ملومين في أخذ الغنائم ممن يظفرون بهم ، وأن بعض أمم الحضارة صارت أرقى في هذا الأمر منهم ، وأن قوانينها في الحرب أقرب إلى النزاهة والعدل من أحكام الإسلام ، وكيف هذا وقوانين الدول المرتقية كلها تبيح أخذ كل ما تصل إليه اليد من أموال المحاربين ؟ لا يصدهم عن ذلك سلام ولا دين ، وقد علمت من هذه الآيات أن الإسلام يمنع قتل من يظهر الإسلام ، ومن يلقي السلم أو السلام ، ومن بينه وبين المسلمين عهد وميثاق إما على المناصرة وإما على ترك القتال ، ومن اتصل بأهل الميثاق المعاهدين ، ومن اعتزل القتال فلم يساعد فيه قومه المقاتلين ، وبعد هذا كله رغب عن ابتغاء عرض الدنيا بالقتال ; ليكون لمحض رفع البغي والعدوان ، وتقرير الحق والإصلاح ، ولا هم لجميع الدول والأمم الآن إلا الربح وجمع الأموال ، وهم ينقضون العهد والميثاق مع الضعفاء ، ولا يلتزمون حفظ المعاهدات إلا مع الأقوياء ، وهو ما شدد الإسلام في حفظه ، وحافظ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في عهده ، وحافظ عليه خلفاؤه الراشدون من بعده ، فأين أرقى أمم المدنية من أولئك الأئمة المهديين ! ؟ رضوان الله عليهم أجمعين .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية