الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 117 ] فصل في الجمع : يجوز الجمع بين الظهر والعصر ، والعشاءين في وقت إحداهما لثلاثة أمور : السفر الطويل . والمرض الذي يلحقه بترك الجمع فيه مشقة وضعف ، والمطر الذي يبل الثياب . إلا أن جمع المطر يختص العشاءين في أصح الوجهين ، وهل يجوز لأجل الوحل أو الريح الشديدة الباردة ، أو لمن يصلي في بيته ، أو في مسجد طريقه تحت ساباط ؛ على وجهين . ويفعل الأرفق به من تأخير الأولى إلى وقت الثانية ، أو تقديم الثانية إليها .

التالي السابق


فصل

في الجمع

( يجوز الجمع ) وتركه أفضل ، وعنه : فعله ، اختاره أبو محمد الجوزي وغيره ، كجمعي عرفة ومزدلفة ، وعنه : التوقف ( بين الظهر والعصر والعشاءين في وقت إحداهما ) فهذه الأربع هي التي تجمع في وقت إحداهما ، الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ( لثلاثة أمور : السفر الطويل ) نص عليه ; وهو قول أكثرهم لما روى معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة تبوك ; إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا ، وإذا ارتحل بعد رفع الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار ، وكان يفعل مثل ذلك في المغرب والعشاء رواه أبو داود والترمذي ، وقال : حسن غريب ، وعن أنس معناه متفق عليه . وظاهره : لا فرق بين أن يكون نازلا أو سائرا في جمع التقديم أو التأخير ، وقال القاضي : لا يجوز إلا لسائر ، وعنه : لسائر وقت الأولى فيؤخر إلى الثانية ، اختاره الخرقي لما روى ابن عمر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أعجله السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء قال سالم : وكان ابن عمر يفعله متفق عليه ، وقال ابن أبي موسى : الأظهر من مذهبه أن صفة الجمع فعل الأولى آخر وقتها ، والثانية أول وقتها ، وظاهره أنه لا يجوز في القصر على " المذهب " ، وفيه وجه .

[ ص: 118 ] ( والمرض الذي يلحقه بترك الجمع فيه مشقة وضعف ) نص عليه ، وصححه جماعة ، وجزم به في " المحرر " ، وغيره ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع من غير خوف ، ولا مطر وفي رواية : من غير خوف ولا سفر رواهما مسلم من حديث ابن عباس . ولا عذر بعد ذلك إلا المرض ، وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة ; وهي نوع مرض ، وفي " الوجيز " يجوز بكل عذر يبيح ترك الجمعة والجماعة عدا النعاس ونحوه انتهى ، واحتج أحمد بأن المرض أشد من السفر ، وشرط بعضهم : إن جاز له ترك القيام ، واحتج أحمد بعد الغروب ثم تعشى ثم جمع بينهما ، وعنه : لا يجوز لما سبق .

تنبيه : يجوز لمرضع ، نص عليه ، للمشقة بكثرة النجاسة ، وفي " الوسيلة " رواية : لا ، قال أبو المعالي : كمريض ، وكمن به سلس البول ، ذكره في " المحرر " ، ولكن من يعجز عن الطهارة ، والتيمم لكل صلاة ، وعن معرفة الوقت كأعمى ونحوه ، أومأ إليه أحمد ، ومن له شغل أو عذر يبيح ترك جمعة وجماعة ، قاله ابن حمدان ، وغيره ، والمطر الذي يبل الثياب ) نص عليه ; وهو قول الأكثر لما تقدم من حديث ابن عباس ، وفعله ابن عمر ، رواه مالك ، قال أبو سلمة : من السنة إذا كان يوم مطر أن يجمع بين المغرب والعشاء . رواه الأثرم ، وروى النجاد بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة ، وفعله أبو بكر ، وعمر ، وعثمان وحكم الثلج كذلك في المنصوص ، وفيهما وجه : لا يجوز ، قال ابن تميم : وهو ظاهر كلام أحمد ، وظاهره : أنه لا يجوز لطل ، ولا لمطر خفيف لا يبل الثياب ; وهو الأصح ، لعدم المشقة ، وفيه وجه .

[ ص: 119 ] ( إلا أن جمع المطر يختص العشاءين في أصح الوجهين ) نص عليه ، واختاره جمهور الأصحاب . قال في " الفروع " : وهو الأشهر ; لأنه لم يرد إلا في المغرب والعشاء ، ومشقتهما أكثر من حيث إنهما يفعلان في الظلمة ، ومشقة السفر لأجل السير وفوات الرفقة ; وهو عدم معدوم هنا ، والثاني : يجوز بين الظهر والعصر كالعشاءين ; وهو رواية ، اختاره القاضي ، وأبو الخطاب ، وصححه في " المذهب " ; لأنه معنى أباح الجمع ، فأباحه بين الظهر والعصر كالسفر ( وهل يجوز لأجل الوحل ، أو الريح الشديدة ، أو لمن يصلي في بيته ، أو في مسجد طريقه تحت ساباط ، على وجهين ) وفيه مسائل : الأولى : يجوز الجمع لأجل الوحل في الأصح ، قال القاضي : قال أصحابنا : هو عذر يبيح الجمع بمجرده ، ويلحق به المشقة كالمطر ، والثاني : لا يبيحه ، ذكره أبو الخطاب ; لأن مشقته دون مشقة المطر ، فلا يصح قياسه عليه ، وفيه نظر ; لأن الإنسان يتأذى به في نفسه وثيابه ، وذلك أعظم ضررا من البلل ، وظاهره : لا فرق بين أن يكون ليلا أو نهارا على المذهب ، وقيده الشريف ، وأبو الخطاب في " رءوس المسائل " بالليل ، وظاهر كلام ابن أبي موسى اعتبار الظلمة ليلا .

الثانية : يجوز في الريح الشديدة صححه ابن الجوزي ، والآمدي ، وابن تميم ، قال أحمد : في رواية الميموني : إن ابن عمر كان يجمع في الليلة الباردة ، زاد غير واحد ليلا ، وزاد في " المذهب " ، و " الكافي " ، و " المستوعب " مع ظلمة ، والثاني : المنع ، وقد علما .

[ ص: 120 ] الثالثة : يجوز لمن يصلي وحده ، أو في جماعة في بيته ، أو مسجد طريقه تحت ساباط ، أو بينه وبينه خطوات يسيرة في ظاهر كلام أحمد ، قاله القاضي ; لأن الرخصة العامة يستوي فيها حال وجود المشقة وعدمها ، كالسفر ، والثاني : لا يجوز ، اختاره ابن عقيل ، وصححه في " المذهب " لعدم المشقة ، وقيل : إن كان يصلي الثانية جماعة في وقتها لم يجمع ، وإلا جمع ( ويفعل الأرفق به من تأخير الأولى إلى وقت الثانية ، أو تقديم الثانية إليها ) كذا ذكره جماعة ، ومنهم صاحب " الوجيز " ، وصححه في " الشرح " لحديث معاذ السابق تفرد به قتيبة . قال البخاري : قلت له : مع من كتبت هذا عن الليث ؛ قال : مع خالد المدائني ، قال البخاري : وخالد هذا كان يدخل الأحاديث على الشيوخ ، وروى ابن عباس نحوه ، رواه الشافعي ، وأحمد ، وأخر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة يوما في غزوة تبوك ، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ، ثم دخل ، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا رواه مالك عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ . قال ابن عبد البر : هذا حديث صحيح ثابت الإسناد ، ولأن الجمع من رخص السفر ، فلم يختص بحاله كسائر رخصه ، وتقدم أنه مختص بحالة السير في رواية ، وحمل على الاستحباب ، والمنصوص عنه أن الجمع في وقت الثانية أفضل ، وذكره المجد ، وقدمه في " الفروع " لأنه أحوط ، وفيه خروج من الخلاف ، وعمل بالأحاديث كلها ، وقيل : في جمع السفر ، وقيل : التقديم ، وجزم به غير واحد في جمع المطر ، ونقله الأثرم ، وأن في جمع السفر تؤخر ، وما ذكره المؤلف هنا هو قول في " المذهب " واختاره الشيخ تقي الدين ، وذكره ظاهر مذهب أحمد المنصوص عنه ; وهو يعم أقسامه ، لكن قال في " الشرح " : [ ص: 121 ] المستحب أن يؤخر الأولى عن أول وقتها شيئا ، قال أحمد : يجمع بينهما إذا اختلط الظلام أو غاب الشفق ، فعله ابن عمر .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث