الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإن جحد الوصية لم يكن رجوعا ) كذا ذكره محمد .

[ ص: 437 - 438 ] وقال أبو يوسف : يكون رجوعا ، لأن الرجوع نفي في الحال والجحود نفي في الماضي والحال ، فأولى أن يكون رجوعا ، ولمحمد أن الجحود نفي في الماضي والانتفاء في الحال ضرورة ذلك ، وإن كان ثابتا في الحال كان الجحود لغوا ، [ ص: 439 ] أو لأن الرجوع إثبات في الماضي ونفي في الحال والجحود نفي في الماضي والحال فلا يكون رجوعا حقيقة ولهذا لا يكون جحود النكاح فرقة [ ص: 440 ] ولو قال كل وصية أوصيت بها لفلان فهو حرام وربا لا يكون رجوعا ) لأن الوصف يستدعي بقاء الأصل ( بخلاف ما إذا قال فهي باطلة ) لأنه الذاهب المتلاشي ( ولو قال أخرتها لا يكون رجوعا ) لأن التأخير ليس للسقوط كتأخير الدين ( بخلاف ما إذا قال تركت ) لأنه إسقاط ( ولو قال العبد الذي أوصيت به لفلان فهو لفلان كان رجوعا ) لأن اللفظ يدل على قطع الشركة ( بخلاف ما إذا أوصى به لرجل ثم أوصى به لآخر ) لأن المحل يحتمل الشركة واللفظ صالح لها ( وكذا إذا قال فهو لفلان وارثي يكون رجوعا عن الأول ) لما بينا ويكون وصية للوارث .

وقد ذكرنا حكمه ( ولو كان فلان الآخر ميتا حين أوصى فالوصية الأولى على حالها ) لأن الوصية الأولى إنما تبطل ضرورة كونها للثاني ولم يتحقق فبقي للأول ( ولو كان فلان حين قال ذلك حيا ثم مات قبل موت الموصي فهي للورثة ) لبطلان الوصيتين الأولى بالرجوع والثانية بالموت .

التالي السابق


( قوله وقال أبو يوسف : يكون رجوعا ، لأن الرجوع نفي في الحال ، والجحود نفي في الماضي والحال ، فأولى أن يكون رجوعا ) قال بعض المتأخرين : قلت هذا كلام ظاهري ، وإلا فالنفي في الرجوع عنها بمعنى فسخها ورفعها وفي الجحود بمعنى سلبها ونفي وقوعها وأين هذا من ذاك انتهى .

أقول : ليس المراد بقول أبي يوسف " إن جحود الوصية يكون رجوعا عنها " أن الجحود والرجوع متحدان معنى ، بل المراد أنهما متحدان حكما وهوإبطال الوصية بأن لا يثبت الملك للموصى له في تركة الموصي فكون النفي في الرجوع بمعنى الفسخ وفي الجحود بمعنى سلب الوقوع إنما ينافي الاتحاد في المعنى لا الاتحاد في الحكم ، ومبنى استدلاله المذكور على الثاني دون الأول فلا محذور على أن ما ذكره ذلك البعض على تقدير وروده إنما يئول إلى ما ذكره المصنف في التعليل الثاني لمحمد رحمه الله لا يخفى على المتأمل فلا وجه لنسبته إلى نفسه بقوله قلت ( قوله ولمحمد أن الجحود نفي في الماضي والانتفاء في الحال ضرورة ذلك ، وإذا كان ثابتا في الحال كان الجحود لغوا ) قال صاحب العناية في شرح هذا التعليل : ولمحمد أن الجحود وهو أن يقول لم أوص لفلان أو ما أوصيت له نفي في الماضي لكونه موضوعا لذلك ، والانتفاء في الحال ضرورة ذلك لاستمرار ذلك إن ثبت ما لم يتغير ، وإذا كان الكذب ثابتا في الحال لكونه كاذبا في جحوده ، إذ الفرض أنه أوصى ثم جحد كان النفي في الماضي باطلا فيبطل ما هو من ضرورته وهو الانتفاء في الحال فكان الجحود لغوا انتهى .

أقول : فيه خلل . أما أولا فلأنه جعل اسم كان في قول المصنف وإذا كان ثابتا في الحال الكذب ، وليس بمستقيم لأن الكذب مما لم يتقدم ذكره في كلام المصنف لا لفظا ولا معنى ولا حكما ، فكيف يصح أن يكون اسم كان في قوله المذكور ضميرا راجعا إلى الكذب . وأما ثانيا فلأنه لو كان المراد ذلك لزم أن يكون قول المصنف في الحال في قوله وإذا كان ثابتا في الحال مستدركا لا طائل تحته ، فإن ثبوت الكذب في الجحود يقتضي كون الجحود لغوا من غير فصل بين أن يكون ثبوت ذلك في الحال أو في غيره من الأزمان . وأما ثالثا فلأنه لو كان المعنى ذلك لما تحقق الفائدة من قول المصنف والانتفاء في الحال ضرورة ذلك ، فإنه إذا كان الكذب في جحوده ثابتا بناء على كون الفرض أنه أوصى ثم جحد كان جحوده لغوا باطلا لا حكم له أصلا سواء كان الانتفاء في الحال من ضرورة ذلك أو لم يكن من ضرورته . ثم قال صاحب العناية : وفي بعض [ ص: 439 ] الشروح جعل اسم كان في قوله وإذا كان ثابتا في الحال الوصية وفي بعضها الحق وكلاهما مصادرة على المطلوب فتأمل انتهى . أقول : فيه نظر ، لأن المصادرة على المطلوب إنما تلزم أن لو كان معنى كلام المصنف : وإذا كان الوصية أو الحق ثابتا في الحال لعدم كون الجحود رجوعا كان الجحود لغوا ، وليس معناه ذاك بل معناه : وإذا كان الإيصاء أو الحق ثابتا في الحال لكونه كاذبا في جحوده ، إذ الفرض أنه أوصى فيما مضى ثم جحد كان الجحود لغوا حيث كان النفي في الماضي باطلا لظهور الكذب فبطل ما هو من ضرورته وهو الانتفاء في الحال ، ولا مصادرة في هذا كما لا يخفى على ذي مسكة .

( قوله أو لأن الرجوع إثبات في الماضي ونفي في الحال والجحود نفي في الماضي والحال فلا يكون رجوعا حقيقة ولهذا لا يكون جحود النكاح فرقة . ) قال في العناية : فيه نظر من وجهين : أحدهما أنه قال في الدليل الأول : إن الجحود نفي في الماضي والانتفاء في الحال ضرورة ذلك ، وهنا قال : والجحود نفي في الماضي والحال وبينهما تناف . والثاني أنه لا يلزم من عدم كون الجحود رجوعا حقيقة عدم جواز استعماله فيه مجازا صونا لكلام العاقل عن الإلغاء . والجواب عن الأول أن قوله نفي في الماضي والحال معناه نفي في الماضي وضعا وحقيقة وفي الحال ضرورة لا وضعا وهو الأول فلا تنافي . وعن الثاني بأن الرجوع والجحود بالنظر إلى الماضي متضادان والتضاد ليس من مجوزات المجاز في الألفاظ الشرعية على ما قررناه في الأنوار والتقرير انتهى .

أقول : يرد على جوابه عن النظر الثاني أن جواز استعمال الجحود في الرجوع مجازا لا يتوقف على اعتبار علاقة المجاز التضاد بينهما حتى يلزم من عدم كون التضاد من مجوزات المجاز في الألفاظ الشرعية أن لا يجوز استعمال الجحود في الرجوع مجازا أصلا ، بل يجوز أن تكون العلاقة بينهما اشتراكهما في معنى خاص وهو كونهما نافيين في الحال وإن كان الجحود نافيا في الماضي أيضا كما أفصح عنه في غاية البيان . وعن هذا قال في الذخيرة والمبسوط : والأصح قول أبي يوسف رحمه الله . ووجهه أن الجحود كذب حقيقة إلا أنه يحتمل الفسخ مجازا فيحمل على المجاز وهو الفسخ صيانة لكلام العاقل عن الإلغاء بقدر الإمكان ، وأمكن حمله على الفسخ لأن الموصي ينفرد بفسخ الوصية ، بخلاف البيع والإجازة إذا جحد أحد المتعاقدين لأن هناك تعذر حمله على الفسخ لأن أحد المتعاقدين هناك لا ينفرد بالفسخ حتى لو تجاحدا نقول بانفساخ العقد وبخلاف ما لو جحد الزوج من الأصل بأن قال لم أتزوجك لأن هناك أيضا [ ص: 440 ] تعذر حمله على الفسخ ، لأن النكاح لا يحتمل الفسخ ولا يمكن أن يجعل كناية عن الطلاق ، إذ لا مشابهة بينهما ، لأن الجحود ينفي العقد والطلاق يقطع العقد ولا ينفيه انتهى ، تبصر .




الخدمات العلمية